
قراءة نقدية لمشروع محمد عابد الجابري
في كتابه الشهير المُعَنْوَن بـالخطاب العربي المعاصر كتب الجابري ما يلي: “يبدو أن معطيات علم النفس، والتحليل النفسي بكيفية خاصة، تجد ما يزكِّيها في سلوك العرب الفكري إزاء مشروع النهضة.”[1] والذي يقرأ كتاب الجابري السالف الذكر يستنتج لماذا يستدعي الجابري التحليل النفسي لقراءة الخطاب النهضوي. فهذا الخطاب، من وجهة نظره، خطاب تضخيمي: “فكلما اشتدت عليهم [المقصود هنا العرب] وطأة هذا الواقع المرفوض، كان هروبهم إلى الأمام أشد وأعنف. نقصد بذلك أن طموحهم النهضوي يزداد ويتضخم بازدياد وتضخم وَقْع الحاضر عليهم، لا فرق في ذلك بين من يدعو إلى بعث النموذج الإسلامي، وبين من يطالب بالاقتداء بالنموذج الأوروبي، أو بين من يقول بأخذ أحسن ما في النموذجين.”[2] هذا من ناحية. من ناحية أخرى، “فعندما يتحدث العرب عن النهضة أو الثورة، فإنما يتحدثون عن مشروع لم يتحقق بعد كاملاً، بل يجب القول، عن مشروع لم يكتمل بعد على صعيد التصور الذهني.”[3] النخبة المثقفة العربية التي تساهم في صياغة خطابنا المعاصر، بمفكِّريها وسياسييها، هي نخبة مريضة وتحتاج إلى محلِّلين نفسيين من شأنهم أن يكشفوا لنا عن سبب الهروب المستمر إلى الأمام الذي تمارسه النخبة إزاء حالة التخلف المستمرة. هذا ما أخبرنا به الجابري؛ وعبره كنا ننتظر، بفارغ الصبر، اكتمال التصور الذهني للملامح العامة للاستراتيجية الرشدية التي بشَّرنا بها في كتابه الصادر مع بداية عقد الثمانينات المعنون بـنحن والتراث؛ وفيه يقول: “إن الروح الرشدية يقبلها عصرنا لأنها تلتقي مع روحه في أكثر من جانب، في العقلانية والواقعية والنظرة الأكسيومية والتعامل النقدي. تبنِّي الروح الرشدية يعني القطيعة مع السينوية (المشرقية) الغنوصية الظلامية.”[4]
عندما صدر الخطاب العربي المعاصر بعد كتابه السابق الذكر عاد الجابري ليبشِّرنا بأنه يبحث عن الطريق من داخل الغابة، لا من خارجها. فهذا البحث من شأنه أن ينهي القطيعة بين الفكر والواقع في الإيديولوجيا العربية المعاصرة. إذ إن غياب العلاقة بين الفكر والواقع في الخطاب العربي المعاصر “جعل الخلافات النظرية والإيديولوجية لا نتيجة الاختلاف في تأويل الواقع وتفسيره، بل نتيجة اختلاف السلطة المعرفية المعتمدة كمرجع. فالخطاب العربي المعاصر لا يطرح قضايا الواقع الملموس، بل قضايا تقع خارج الواقع، قضايا مستعارة من النموذج–السلف“[5].
وفي إطار نقده للعقل العربي، أصدر الجابري كتابه الموسوم بـتكوين العقل العربي (1984)؛ وبعده بسنتين، صدر كتابه بنية العقل العربي الذي يشكل الجزء الثاني في إطار “نقد العقل العربي“. وبذلك يكون المشروع قد اكتمل على صعيد التصور الذهني، واتَّضحت ملامحه وملامح الاستراتيجية الرشدية. وعبر هذا فإن أية محاولة نقدية لمشروع الجابري لا تستدعي، أو تتطلب بالضرورة، استحضار محلِّلين نفسيين! فالحكم هنا يتم على مشروع قد اكتمل على صعيد التصور الذهني.
عقلانية ابن رشد وصوفية ابن سينا
يمكن القول بدقة أن مشروع الجابري هو آخر وأكبر تظاهرة في حركتنا النقدية العربية الجديدة من أجل الاعتراف بالمعقول وإقصاء اللامعقول عن حياة العرب. فالاستراتيجية الرشدية التي بشَّرنا بها في كتابه نحن والتراث عاد ليوضح لنا ملامحها في كتابه تكوين العقل العربي. يقول الجابري: “إننا نعتقد أن الاستراتيجية الرشدية، أعني التي دشَّنها ومارسها ابن رشد، هي وحدها الكفيلة بتحرير العقل العربي من تشنجات المعقول الديني وردَّات اللامعقول العقلي. إن تحقيق مصالحة عقلانية بين المعقول الديني والمعقول العقلي (=العقل الكوني) على الطريقة الرشدية التي تعتمد الفصل بين الدين والفلسفة، وبالتالي تجاوز الحاجة إلى الغنوص gnose – إن تحقيق مصالحة من هذا النوع شرط ضروري لتحرير العقل العربي من الدوافع والأهداف التي جعلته يقيم اللامعقول العقلي وسيطاً بين الله والناس، بين الدين والفلسفة؛ الشيء الذي جعله يعاني من الحضور المكثف للغيب ومقولاته، ويجد نفسه، بالتالي، مهيأ للهروب، تحت وقع أي صدمة، من عالم الشهادة إلى عالم الغيب… من المعقول إلى اللامعقول.”[6]
سوف أسترسل قليلاً في توضيح ملامح الاستراتيجية الرشدية لكي تأخذ المناقشة مجراها الواضح. ففي كتابه نحن والتراث (الذي نعود إليه كأساس وكمحطة أساسية في مشروعه) قام الجابري بشنِّ هجوم حاد على الفلسفة السينوية (نسبة إلى ابن سينا) وجذورها التاريخية. فمن وجهة نظره، ومن خلال حفرياته في تاريخ الفلسفة المشرقية وذلك عبر نوعين من القراءة، مباشرة وغير مباشرة (إسقاطية)، استنتج ما يلي:
أ. ابن سينا هو المدشِّن الفعلي لمرحلة الجمود والانحطاط.[7]
ب. عمل ابن سينا على تكريس لاعقلانية صميمة في الفكر العربي الإسلامي تحت غطاء عقلانية موهومة.[8]
ت. كانت الفلسفة المشرقية السينوية، في آن واحد، تعبيراً عن وعي قومي مهزوم ووعي إيديولوجي مقلوب؛ فهي إحدى تجلِّيات الوعي القومي الفارسي المهزوم، لكنْ الحي دوماً، المتطلِّع إلى استعادة نفسه باستمرار وبكبرياء. ولذلك كان هدفه هو إنشاء فلسفة مشرقية ذات خصوصية قومية فارسية.[9]
ث. يجب أن ننظر إلى العمل على دمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين كجزء من نضال عام – سياسي اجتماعي ثقافي – ضد الحصار السني للدولة، قام به أبناء الشعوب المضطهَدة قومياً وطبقياً.[10] وعبر هذا نستطيع أن نفهم الدوافع القومية–الإيديولوجية في فلسفة ابن سينا؛ وكذلك لماذا كانت الإسماعيلية – كرافد أساسي في تكوينية ابن سينا – إيديولوجيا الطبقات والقوميات المضطهَدة.
مثَّلت الفلسفة المشرقية السينوية، وامتداداتها النظرية على صعيد الفكر المجرد في المشرق العربي، نظاماً فكرياً في التراث الثقافي العربي الإسلامي يتميز عن نظام فكري آخر وجد تعبيره في الفكر النظري في المغرب. يرى الجابري، بهذا الصدد، أن ثمة قطيعة إبستمولوجية بين النظامين، قطيعة تمسُّ، في آن واحد، المنهج والمفاهيم والإشكالية.[11] وقد وجد هذا النظام الفكري المغربي تعبيره في الاستراتيجية الرشدية؛ إذ إن المشروع الفلسفي لابن رشد كان يقوم أساساً على الفصل بين الفلسفة والدين حتى يتأتَّى لكل منهما الحفاظ على هويته الخاصة ويصبح في الإمكان رسم حدودهما وتعيين مجال كل منهما، من ناحية؛ والبرهنة، من ناحية أخرى، أنهما معاً يرميان إلى نفس الهدف. من هنا يمكن القول إن “المدرستين، الرشدية والسينوية، تمثلان مظهرين أساسيين، ومتمايزين، من مظاهر العقلانية في الإسلام؛ بل يمكن اعتبارهما اتجاهين عقلانيين، ليسا فقط متمايزين، بل متناقضي الاتجاه: العقلانية الرشدية عقلانية واقعية، والعقلانية الفارابية–السينوية عقلانية “صوفية“”[12]. ويضيف الجابري: “إن ابن رشد يرفض القول القائل بأن الله هو الملابِس لجميع ما ههنا والمحرِّك له، لأن هذا القول يؤدي في نظره إلى القول بأن ما يُدرَك من الأسباب والمسبِّبات باطل، لأن المعرفة بالمسبِّبات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. فرفع هذه الأشياء – أي إنكار ارتباط المسبِّبات بالأسباب – هو مبطل للعلم ورفع له.”[13]
الاستراتيجية الرشدية تقول بالسببية، وبذلك ترفض التوسط وتنحاز للمعقول على حساب اللامعقول. فهدفها هو اجتثاث اللامعقول من حياتنا الذي يدفع باستمرار إلى الهروب إلى الأمام؛ خاصة وأن هذا اللامعقول وافد على الثقافة العربية الإسلامية – يسميه الجابري بـ“العقل المستقيل” – الذي تغذيه ثلاثة تيارات رئيسية:
أ. المانوية (نسبة إلى ماني) التي تجمع بين الزرادشتية والمسيحية والبوذية والتي استهدفت تقويض الأساس الفكري للدولة الإسلامية في العهد العباسي الأول؛
ب. الهرمسية (نسبة إلى هرمس) التي تقوم أساساً على نزعة صوفية إشراقية؛
ت. التيار الثالث هو الأفلاطونية المحدثة.
هذه التيارات الثلاثة – إلى جانب تيار رابع يتمثل في الإسرائيليات كرافد أساسي من روافد اللامعقول الذي قدم للفكر العربي الإسلامي الحديثَ حول البداية والنهاية – تزامنت جميعاً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي وجمعها قاسم مشترك في كونها قد نهلت من الموروث الأسطوري البابلي القديم – وهذا ما يعتقده الجابري – لتبدأ بضخِّه من جديد عبر قنوات الموروث العربي الإسلامي. وقد توقف الجابري لشرحها في كتابه المعنون بـتكوين العقل العربي.
الهرمسية في ثنايا العقل العربي
في إطار نقده للعقل العربي يقول الجابري: “إن العقل العربي الذي سنقوم بتحليله (تحليل تاريخي وبنيوي ومن موقع إيديولوجي واعٍ) تحليلاً نقدياً ليس مقولة فارغة ولا مفهوماً ميتافيزيقياً ولا شعاراً إيديولوجياً للمدح والذم، وإنما نقصد به جملة من المفاهيم والفعاليات الذهنية التي تحكم، بهذه الدرجة أو تلك من القوة والصرامة، رؤية الإنسان العربي إلى الأشياء وطريقة تعامله فيها في مجال اكتساب المعرفة، مجال إنتاجها وإعادة إنتاجها.”[14]
وانطلاقاً من أن عصر التدوين هو الإطار المرجعي للثقافة العربية الإسلامية، فإن الجابري يحدد الإطار الذي يعمل فيه – وهو إطار الثقافة العالِمة التي دشَّنها عصر التدوين – وينحِّي جانباً الذاكرة والمعيش والخرافة والأسطورة. يقول: “إننا قد اخترنا عن وعي التعامل مع الثقافة العالِمة وحدها، فتركنا جانباً الثقافة الشعبية، من أمثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها.”[15] وفي ضوء اختياره للثقافة العالِمة كإطار، يتوجَّه من جديد لدراسة الأسطورة العالِمة – إن جازت لنا التسمية – بوصفها الإطار المرجعي للامعقول، التي تغلغلت في ثنايا العقل العربي وفرضت عليه رؤية ميثولوجية (= أسطورية) للكون ولعلاقة الإنسان بالطبيعة، وجدتْ تعبيرها في نظام العرفان. والجابري بذلك يقتفي أثر الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان في بحثه عن دور الخيال imaginaire (الأسطورة) في الفلسفة الشيعية الإسلامية. إن المكونات الأساسية للعقل العربي الإسلامي، كما يرى الجابري، كناية عن ثلاثة أنظمة: نظام البيان، ونظام العرفان، ونظام البرهان. وانطلاقاً من أن المعقول الإسلامي يتحدد انطلاقاً من اللامعقول، يبدأ الجابري بالبحث عن اللامعقول في ثنايا العقل العربي الذي يجد تعبيره في نظام العرفان. يميِّز الجابري هنا بين عرفانين: العرفان كموقف (فردي ونفسي وعملي، يتلخص في رفض العالم ونشدان الاتصال بالإله والدخول معه في نوع من الوحدة)[16]؛ والعرفان كنظرية (يطغى فيه التفسير والتأويل ومحاولة تشييد نظرية دينية فلسفية تشرح تطور الخليقة من المبدأ إلى المعاد)[17].
ما يهمنا هو العرفان كنظرية، كرؤية ميثية (= أسطورية) لله وللكون والإنسان، وجدت تعبيرها في ملحمة التكوين الهرمسي (رؤيا هرمس)، وشكَّلت، بتفرعاتها المانوية والزرادشتية والأفلوطونية المحدثة والإسرائيليات، حلفاً قوياً ساهم في رفد وغزو نظام البيان العربي الإسلامي (المعقول العقلي الديني العربي الذي يتحدد بثلاثة عناصر: القول بوجوب معرفة الله، والقول بوحدانيَّته، والقول بالنبوة)[18] بكل عناصر اللامعقول الذي تتحدد عناصره بعكس عناصر المعقول الديني العربي الذي يمتح من الموروث القديم.
في كتابه الهام المُعَنَْوَن بـبنية العقل العربي حظيت الرؤية الهرمسية الأسطورية للكون وبدء الخليقة بالكثير من التفرد. فبعد أن عرض لها في كتابه الموسوم بـتكوين العقل العربي، قام في بنية العقل العربي بنقل هذه الرؤية الأسطورية بنصها إلى العربية، وقام بالشرح والتعليق عليها، وتابع تغلغلها في الفكر العربي الإسلامي عند الشيعة (أول من تَهَرْمَس في الإسلام)، ثم تابع تحولاتها داخل هذا الفكر، كما تجسدت في فكرة الإمامة، ثم انتقالها إلى المتصوفة الإسلاميين من السنة، كما يتجلَّى في شرحه لنصَّيْ الجنيد وابن عربي.
ويركز الجابري على رؤيا هرمس لأنها، من وجهة نظره، تنحو منحى أسطورياً يقدم الحل لمشكلة الشرِّ في العالم. وفي دراسته لأسطورة الخليقة الهرمسية، باعتبارها المنهل الذي ينهل منه جميع العرفانيين، يميز الجابري بين عدة مراحل (مراحل الخلق):
- المرحلة الأولى: التقرير بأولوية النور؛ فالنور هو العقل (الإله الأب).
- المرحلة الثانية: انفصال النور عن النار انفصالاً نهائياً.
- المرحلة الثالثة: إنجاب الإله الأب للابن (الإله الصانع).
- المرحلة الرابعة: ظهور الإنسان السماوي الأول على صورة الإله الأب الكلِّي.
- المرحلة الخامسة: تتضمن حديثاً عن يوم المعاد ومرحلة ما بعد الموت وعودة الروح إلى بارئها.[19]
الرؤيا الهرمسية هي البئر الذي يمتح منه العرفان كموقف والعرفان كنظرية. وهذه الرؤية سوف تمهِّد للانسحاب من عالم الواقع إلى عالم العقل المستقيل، وسيتاح لها، في القرنين الخامس والسادس الهجريين، أن تغزو نظام البيان العربي الإسلامي من خلال المتصوفة (ابن عربي والجنيد وغيرهما) الذين سعوا إلى تأسيس البيان على العرفان، بعكس ما فعله ابن رشد الذي عمل على تأسيس البيان على البرهان؛ وبذلك مهَّدوا لاستقالة العقل العربي في المشرق العربي أولاً، وفي المغرب العربي والأندلس لاحقاً، لتُكتَب عليه الغربة في أرض أخرى – وطوبى للغرباء
المزيد