نقد الفكر المحاصر … saoud salem

أغسطس 17th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

106sal

 لا تثق بالقصيدة، بنت الغياب، فلا هي حدس، ولا هي فكر، ولكنها حاسة الهاوية..” هكذا يتوجه محمود درويش إلى القارئ في قصيدة بعنوان رسالة إلى ملك الإحتضار“. حيث تبدو القصيدة كأنها تمثل إستمرارية جسد الشاعر ذاته كجلده ويديه وعينه.. أو وسيلته المباشرة لتحسس العالم والأنفاس في حرارة الأشياء وبرودتها الثلجية. تبدو القصيدة كوسيلة أو أداة حسية جديدة لوعي وجود الأشياء، والتغلغل في وجودها المادي. وهو ينفي أن تكون القصيدة حدسا أو فكرا، أي أن تكون وسيلة لمعرفة عقلية تجريدية أو عملية تخضع لقوانين النفي والإثبات. إنها حاسة الهاوية، أداة معرفية لقياس السقوط والهزيمة وزمنية الموت والإحتضار. القصيدة تبدو كمنبع لمعرفة وجدانية ذاتية، أو كثرمومتر إنفعالي لقياس الشعور والأحاسيس والعواطف. ولهذا السبب ذاته يطلب الشاعر من القارئ ألا يثق في هذا المقياس الذاتي، لأن القصيدة مثل أي عمل فني آخر، لايمثل إلا بقايا تجربة وجدانية حسية وجمالية للمبدع ذاته. والقارئ لا يستطيع أن يعيش هذه التجربة مباشرة، وإنما يستطيع أن يعيشها بواسطة الخيال، أي بواسطة الصورة التي يضعها المبدع أمام عينيه. وهي في العادة صورة ورقية جافة يابسة، وأحيانا مجرد جثة إنفعال، أو شذرات يائسة من تجربة الشاعر. غيرأن محمود درويش في هذه القصيدة يبدو كأنه يلبس ثوب المفكر، ويستعير لسان الفيلسوف، ليدلي للقارئ بـ فكرةأولية مفادها أن لا نثق بالشعر، وذلك في قصيدة شعرية بعنوان رسالة إلى ملك الإحتضار“. وعلى القارئ أن يجد طريقه لوحده في هذا التركيب المتناقض .. على القارئ أن يفرز وينقي ويختار الصورة التي تناسبه وسط هذا المتحف المليء بالصور المسمى بالقصيدة، والذي يعتبره الشاعر كوعاء معرفي عام قادر على نفي ذاته كشعر، ليولد في صورة فلسفية أو أخلاقية أو سياسية. وهو في نهاية الأمر إستمرارية للشعر العربي الفلسفي، أي التراث الذي يحتوي الفلسفة كلحظات أو محطات داخل القصيدة أو المقاطع الشعرية، حيث الحسية الشعرية تتجاوز ذاتها في بعض مواقف الإشراقية، للوصول إلى تجريدات فكرية عامة، لتعبر عن فكر محاصر وغير قادر على إفراز نظرية فلسفية شاملة لفهم الإنسان والعالم والعلاقات العديدة بينهما، رغم وجود بعض المحاولات في التجربة الشعرية العربية للتخلي عن القصيدة كتركيب فني، والتعبير عن مواقف فلسفية في لغة تقع خارج حدود الشعر، كما هو الحال مع أدونيس في كتابه التجربة الشعرية العربية“. حيث يؤكد على العكس تماما من درويش، بأن القصيدة هي منبع الفكر وأساس والبنية اللغوية القادرة على فهم الإنسان والعالم. وذلك في مقابل اللغة الدينية والفلسفية مصدر اليقين والإعتقاد والمذاهب. حيث أن العالم في أفق المعرفة الشعرية، أي المجازية، يكون على العكس منفتحا بلا نهاية، لأنه إحتمال واكتشاف دائمين“. ونحن نعرف بأن هذه المقولة تبدو صحيحة على المستوى الذاتي الفردي. غير أن أدونيس يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يشن بطريقة غير مباشرة حربا على الفلسفة والفكر الفلسفي عموما، مؤكدا بأن الشعر هو المفتاح الوحيد القادر على فتح أبواب المعرفة الموصدة منذالقدم، باعتباره اللغة كوعاء وحيد يحتوي كل الأدوات المعرفية من الدين والفلسفة والشعر وبقية العلوم النظرية والتطبيقية. غيرأن ما يسميه بـ المجازكخاصية متأصلة في التاريخ والتراث اللغوي العربي محد فاصل، وإشارة إلى التصادم والمفارقة الحادة بين الفكر الديني والفلسفي من جانب، وبين الشعر في الجانب الآخر. ذلك أن المجاز حسب النظرية الدينية لا يعبر إلا على المحتمل، حيث هناك إحالة للألفاظ عن معانيها المعهودة، وتحريف للكلمات عن مواضعها، مما يفسد المعاني وبالتالي يفسد اللغة ويولد الضلال والباطل. لذلك تجب العودة إلى أصول الكلمات وتحميل الألفاظ المعاني الموضوعة لها في الأصل، وضرورة الرجوع إلى اللغة الواقعية، لغة النثر. وأدونيس يدين هذا المنظور الديني ويؤكد على العكس من ذلك بأن اللغة خاصية ينصهر فيها الفكر والشعر بحيث يبدو الفكر أنه يتصاعد من الشعر، كما تتصاعد من الوردة رائحتها“. وتتمثل هذه الخاصية بطبيعة الحال في البنية المجازية للتعبير“. ولا شك أن هذا المنظور المثاليلايبطل المجاز وحده، وإنما يبطل اللغة الشعرية ذاتها كمقياس إنفعالي حسب ما يراه محمود درويش.. أي حاسة الهاوية، الشعر كتجربة وجودية مباشرة وأصلية وأساسية وغير قابلة للخضوع للقوانين العقلية أو المنطقية مثل النفي والإثبات، الحقيقة والباطل، الوجود أو اللاوجود، الإحتمالي والضروري، إلى آخر هذه التصنيفات المنطقية. وهذا لا يعني أن الشعر ليس أداة معرفية، غير أنه من الواضح أنه ليس أداة معرفية موضوعية كما سبق القول. فاستعمال البنية الواقعية أو المجازية أو أية بنية أخرى لغوية في التعبير ليس كافيا وحده لرسم الحدود الفاصلة بين المعرفة الشعرية والمعرفة الفكرية أو الفلسفية ـ وهذا في حقيقة الأمر موضوع آخر يحتاج بدوره إلى المزيد من البحث والدراسة والتحليل ـ إذ أن الذي يهمنا في هذا المجال هو الطريقة التي استعملها أدونيس في تصنيف هذه المناهج المختلفة، والمنهج الذي استعمله ومكنه من وضع الدين والفلسفة في ملف واحد، مقابل ملف آخر يضع فيه الشعر، أو المعرفة الشعرية كنقيض إيجابي

المزيد


نقد الفكر المحاصر

أغسطس 14th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

لتحليل طبيعة الكارثة، لابد لنا أولا وقبل كل شيء أن نخرج رؤوسنا من تحت الماء. أن نتنفس بعمق، ونتفادى الاختناق، والطرق المسدودة، والأفكار العقيمة، والرؤى المسمومة .. ونخرج في لحظة من اللحظات من هذه المفارقة غير المحتملة: الشرق في مقابل الغرب، الحضارة اليونانية الغربية في مقابل الحضارة الاسلامية ـ العربية، أو الفلسفة في مقابل الدين، والعقل في مقابل الخيال. إلى آخر هذه المفارقات التي تقود مباشرة إلى المقولة اللاعقلية، والتي يحاول الذين يروجون لها ـ سواء في الغرب أو الشرق ـ أن يجعلوا منها السبب الأول والوحيد، والمسئول المباشر، عن الأزمة العالمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأعني مقولة التناقض الحضاري. حيث أن هذا التناطحالحضاري أو التناقض إن وجد، فإنه يوجد حتما داخل كل مجتمع، وداخل كل حضارة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أساسا لرؤية نقدية وعلمية لتحليل طبيعة الكارثة، دون الأخذ في الإعتبار ببقية العوامل المعقدة والمتعددة. ولا بد لنا في لحظة من اللحظات من انهاء هذه المفارقة، وحل المعادلة التي لا تستند إلا إلى فرضيات غيبية، وإيجاد ثغرة في هذه الجدران العالية التي تحاصر الفكر، ليخرج الإنسان ـ العقل، من حالة الإنكفاء والصلاة، إلى حالة الإعطاء والإبداع. وليخرج من حالة الدعاء والنواح، إلى حالة الغناء والاستمتاع بالحياة والوجود. وهذا سواء في الغرب أو في الشرق، في الجنوب أو في الشمال. ذلك أن هذه الإشارات الجغرافية لا معنى لها في التاريخ الإقتصادي والسياسي والفكري المعاصر. إن القوى السياسية والاقتصادية وحدها قادرة على أن تكون إشارة للإختلاف والمفارقة بين نوعين من البشر لا ثالث لهما. السيد والعبد حسب المقولة الهيجلية، بين الغني والفقير .. بين الذي يمتلك وسائل الإنتاج ورأس المال، وبين الذي لا يملك حتى ذيله. وهذه المفارقة تبدو أشد وضوحا في مدن الغرب ذاته، والممتلئة بالفقراء الذين يقضون حياتهم من أجل توفير ما يحتاج إليه الأغنياء، من فرشة الأسنان، وحتى الصواريخ والقنابل الذرية. وعلى مدى العصور، وفي جميع المجتمعات القديمة والحديثة، فإن القضية الوحيدة التي ما زالت قائمة حتى اليوم، هي كيفية الخروج من هذه المفارقة.  كيف نستطيع في لحظة تاريخية معينة القضاء على هذه الفوارق الطبقية التي تقسم حياة ملايين البشر. ففي اليونان القديمة، كانت الآلهة ذاتها تعاني من هذه الطبقية، وكانت مقسّمة حسب هذا التدرّج. كانت هناك الآلهة العظمى المتعالية التي تتمتع بسلطة لا حدود لها.. وهناك الآلهة التحتية من الدرجة الثانية والثالثة.. والتي تتزاحم تحت أقدام الآلهة العظيمة، وتحاول خدمتها أو التحايل عليها. ذلك أن هذه الديانات التي خرجت مباشرة من مخيلة الشعراء اليونانيين، مثلما كان الأمر فيما يبدو بالنسبة للديانات السابقة، السومرية والبابلية والآشورية. ذلك أنها كلها ديانات بشرية تتطابق مع التركيب الاجتماعي في تلك الفترة، ولأن الشاعر أو الفيلسوف أو رجل الدين قد تمكن بواسطة الخلق والإبداع ـ العقل والمخيلة ـ من اكتشاف فكرة الألوهية، ومبدأ العلـّية الأولى (لكل شيء سبب) وللعالم سبب أولي لوجوده. وهذه الفكرة الأولية التي مكنت وجعلت الحضارات المختلفة تتخيل وتفترض قصة خلق الكون والطبيعة والبشر. قصة خلق العالم، والجنة الخالدة، وآدم وحواء وشجرة المعرفة، وكل القصص الأخرى المتعلقة بالميثولوجيا الانسانية. وفي فترة لاحقة ظهرت فجأة فكرة أخرى، فكرة النبوة، فكرة الوسيط بين الله وبين خلقه. وهي فكرة تختلف جوهريا عن فكرة البطل الذي نصفه إله ونصفه بشر في الميثولوجيا القديمة. إن فكرة النبوة ترتكز أساسا على فكرة الوساطة. الإنسان الذي يختاره الله ليتكلم بإسمه، ويوصل رسالته إلى عباده. فكرة المترجم الذي يستطيع أن يفهم لغة الآلهة ويترجمها لعباده الأميين. وفكرة النبوة أغلقت الباب نهائيا أمام العقل للتدخل في هذه الأمور، ولم تترك سوى فرجة صغيرة يستطيع بواسطتها العقل أن يمارس وظيفته النقدية، وهي ساحة التفسير. حيث أن كلام النبي أو المبعوث يظل في نهاية الأمر كلاما، ويحتاج هو الآخر إلى وسيط من الدرجة الثانية (المفسّر أو القفيه) الذي يدلي بسطلهفي هذا المج

المزيد


شهية طيبة أيها الفقراء

أغسطس 11th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

497sao

الحياة في ما يسمى اليوم بالعالم العربي ـ الإسلامي، هي حياة أقرب إلى الجحيم منها إلى الحياة في الجنة الموعودة. ولا داعي لوصف هذا الجحيم، فالجميع علم بالتفاصيل، من الفقر المادي، والتعاسة، والقهر، إلى الطغيان، والسجون، والجهل، والجوع، والعطش، إلى مختلف الأمراض الجسدية والعقلية والنفسية التي يعاني منها الإنسان فردا وجماعة. ولا داعي لوصف كل هذه المصائب التي تشكل ظروف الحياة اليومية لمواطني هذه المناطق الموبوءة، والتي تعتبر في كثير من الأحيان ككوارث طبيعية. والكثير من المحللين والمتخصصين في التاريخ والسياسة والعلوم المختلفة، كالإجتماع، والنفس، والإقتصاد السياسي، يعتقدون بوجود مربع جهنمي مسئول مسئولية كاملة عن هذه الكوارث. أمريكا، وإسرائيل، والاستعمار الغربي، والأنظمة الحاكمة. والبعض يذكر البترول كسبب إضافي. ونحن لا نشكك هنا في تدخل بعض هذه العناصر أو كلها، مسئوليتها منفردة أو مجتمعة، عما يجري في هذه الساحة. غير أنه من الممكن في هذه المحاولات اليائسة لفك الحصار، التساؤل عن سبب فعالية هذه العناصر في هذه المنطقة بالذات من العالم، مع العلم بأن أمريكا تعتبر دولة جديدة لا يتعدى وجودها قرنين من الزمان، أما إسرائيل فإن عمرها لا يتجاوز عمر أصغر شيخ قبيلة من المنطقة. أما الاستعمار الأوربي، فإن كل الدول العربية تحتفل بأعياد استقلالها كل عام بعروضها العسكرية، وخطب العرش الوطنية. أما الأنظمة الحاكمة، ورغم تخلفها وطغيانها بدون استثناء، فإنها لا تستند إلى أية أسس متينة، ويمكن أن تسقط في أية لحظة. وفي هذه الحالة، لا بد لنا من التساؤل عن السبب المباشر لهذه الأزمة الحضارية التي تعاني منها المنطقة، والتساؤل عما إذا كان هذا المربع الجهنمي ذاته ليس إلا نتيجة للوضع الكارثي المتأصل في هذه الأرض المزدحمة بالطغاة والانبياء والشعراء. وفي هذه الحالة تكون الكارثة أكبر مما تصورناه في البداية، ومحاولة فك الحصار تبدو مستحيلة. ورغم عدم قناعتنا بالتحاليل البسيكولوجية لتفسير ظاهرة التخلف، إلا أن ذكر بعض التحاليل قد يكون مفيدا في تكوين رؤية عامة للمنطقة ولتطور العقلية السائدة. يقول توفيق الحكيم في روايته عصفور من الشرق، “الغرب يستكشف الأرض، والشرق يستكشف السماء”. وقد حاول محمد عابد الجابري صياغة هذه المقولة في كتابه “تكوين العقل العربي” صياغة جديدة، من وجهة نظر ابستيمولوجية أو معرفية، “إذا صح تكثيف العلاقات داخل العقل اليوناني ـ الأوربي حول قطبين إثنين، هما الإنسان والطبيعة، فقد يصح تكثيف العلاقات داخل العقل العربي ـ الإسلامي حول قطبين إثنين أيضا، هما الإنسان والله”. ورغم أنه يجب أخذ هذه المفاهيم المجردة بحذر شديد، إلا أن هذه الإضاءة قد تساعدنا على رؤية الصورة العامة، وجعلها أقل عتمة ولو مؤقتا، وتم

المزيد


الفكر المحاصر

أغسطس 8th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

salem0

الإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على رؤية بقية البشر كتجريدات رقمية أو حسابية. ومع ذلك يظل الإنسان هو المصدر، هو الموجود الذي لا خالق له. هو الخالق المبدع، خالق الأديان والآلهة والشياطين والملائكة، خالق الجنة والنار، خالق الأساطير والأشعار والأدب والفن، لأن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يحلم. الإنسان هو المصدر وهو الوسيلة، وهو أيضا في نهاية المطاف، الغاية والهدف. غير أنه يكتشف للمرة الثالثة صعوبة المعادلة بين الفكر والفعل والخيال الفردي، وبين الحركة الجماعية لملايين الذوات الأخرى التي تتحرك حوله، تخنقه، وتمنعه من التنفس. كيف تستطيع هذه الذات الفردية المفكرة، الحالمة، الفاعلة، أن تخرج من قوقعتها نحو الآخرين، إذا كان الآخر مجرد بطيخة متوسطة الحجم؟ وكالعادة، فالحل لم يسقط من السماء، إنما كان موجودا منذ البداية .. الكلمة. هذا الحل السحري الملتصق بنا كجلودنا، هو ملاذنا الأخير والوحيد، وهو الحبل الإلكتروني المشدود بيننا وبين الآخرين. اللغة هي جسد الإنسان، وجسد الإنسان هو لغته. واللغة هي الشيء الوحيد الذي يمكـّن الإنسان من تجاوز جزئيته المزرية إلى الكلية المطلقة للإنسانية. اللغة جسد كلي عام، هي معطف جوجول الذي يغطي الإنسانية بكاملها. غير أن هذا الحل السحري ليس سحريا إلا لأنه قابل للانقلاب في أية لحظة إلى كارثة. يمكن أن نلبس اللغة .. كما يمكن للغة أن تلبسنا، غير أنه من حق الإنسان أن يحلم بلغة جديدة تخلو من كل أدوات الاستلاب، لغة تحرر الإنسان. من حق الإنسان أن يحلم، غير أنه لكي يحقق حلمه، لا بد له من أن يستيقظ، ينهض من فراشه، يغسل وجهه بالماء البارد، ويبدأ في تعلم الأبجدية. من حق الإنسان أن يحلم، أن يحلم بعالم يخلو من الاستغلال والعنف والسلطة، ويخلو من الفقر والتعاسة النفسية والمادية، من حق الإنسان أن يحلم بعالم يخلو من المؤسسات العسكرية، ومن أجهزة القمع بكل أنواعها. من حق الإنسان أن يحلم بعالم يغمره الرخاء والازدهار والسعادة والتضامن الإنساني، من حق الإنسان أن يحلم بعالم مملوء بالخلق والإبداع، ومبني على التعاون والحب بين البشر. غير أن “الحق” ليس كافيا لتحقيق هذا الحلم البسيط. لتحقيق هذا الحلم لا بد لنا أولا… أن نستي

المزيد


ممنوع الضحك …

يوليو 22nd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

لأول مرة في فلسطين

مؤتمر أدبي في قلقيلية ( المدينة الأسيرة )  حول الأعمال الأدبية للعقيد معمرالقذافي

  كتب / خالد على بشر

  قلقيلية، فلسطين/  وكالة قدس نت للأنباء، وكالة آماد الإخبارية، وكالة معا للأنباء، شبكة فلسطين الإخبارية ..

 في بادرة هي الأولى من نوعها، ووسط حضور جماهيري وأكاديمي مميز اختتم في مدينة قلقيلية المؤتمر الأدبي الفلسطيني الأول حول الأعمال الأدبية ( المجموعة القصصية ) للأخ العقيد معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر بالجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى.

وقد شارك في المؤتمر الأول من نوعه في الأراضي الفلسطينية نخبة من الأكاديميين الفلسطينيين من جامعات النجاح الوطنية والقدس المفتوحة والخليل وفلسطين الأهلية ومن الفعاليات الثقافية داخل الخط الأخضر.

وقد افتتح المؤتمر المنسق العام لحركة اللجان الثورية الفلسطينية بكلمة رحب فيها بالحضور وشكرهم على اهتمامهم وتفاعلهم مع المؤتمر وموضوعه كما نقل إليهم تحيات الأخ العقيد معمر القذافي الحارة وتقديره لجهودهم التي بذلوها في هذا المجال ثم تحدث رئيس المؤتمر الأستاذ الدكتور يحيى جبر الذي تولى إدارة الجلسات والنقاش من بعد .

وتناول الجلسة الأولى للمؤتمر عدة أوراق بحثية منها ورقة بعنوانالقذافي قاصا قدمها الدكتور عادل الاسطة وورقة بعنوان السخرية في كتابة القذافيقدمها الدكتور عبد الخالق عيسى وورقة بعنوان الأصول اليسارية في فكر القذافي قدمتهاالدكتورة رقية زيدان وورقة بعنوان الإعمال الأدبية بين القصة والمقالة قدمهاالدكتور زاهر حنني وورقة بعنوان الأساليب الفنية في إعمال معمر القذافي قدمهاالدكتور رائد عبد الرحيم .

وتخلل جلسات المؤتمر عدة حلقات نقاش حول المفهوم الفلسفي لتلكالقصص والتي تركز النقاش خلالها على قصص القذافي القرية القريةوالأرض الأرض وانتحار رائد فضاء.

وفي ختام المؤتمر أوصى المؤتمرون بضرورة عقد المزيد من المؤتمرات والندوات التي تهدف إلى التعريف بفكر معمر القذافي وأدبياته بصورة حقيقية بعيدا عن ما ساد في بعض الأوساط من مواقف سلبية تجاه العقيد القذافي وأفكاره ومشاريعه ومن الجدير بالذكر أن حركة اللجان الثورية الفلسطينية تخطط في القريب العاجل لعقد مؤتمر حول مشاريع السلام : آفاق وأبعاد .

 هامش :

قلقيلية : مدينة فلسطينية تقع فىىغرب الضفة الغربية على مقربة من الخط الأخضر فى فلسطين، وهى مركز محافظة قلقيلية، تقع أراضيها عند التقاء الساحل مع الجبل، وتعتبر خطر الدفاع الأول نظرا لقربها من الخط الأخضر

كل كارثة تحل بفلسطين كان لها نصيب الأسد لهذه المحافظة، ففى عام ا948 ، فقدت جميع أراضيها السهلية الزراعية فى اتفاقية رودس، مما جعل أهل قلقيلية يستصلحون الجبل ويحولون الصخر الى تراب للزراعة فيه، ولكن لم تدم تلك الأراضى لهم طويلا، فقد قامت الدولة العبرية فى حرب 1967 بالإستيلاء على بقية أراضيها وحولوها الى مستعمرات، وجاءت نكبة قلقيلية الثالثة فى انتفاضة الأقصى حيث قامت الدولة العبرية باحاطة مدينة قلقيلية من جميع الجهات بالجدار العازل ، يبلغ عدد سكانها 44.700 نسمة كلهم فى الأسر، ولا اتصال مع العالم الخارجى الا عبر بوابة واحدة تستخدم للدخول والخروج تحت رقابة مشددة، هناك بعض المعالم الأثرية التى تدل على الجذور التاريخية لهذه المدينة، تعود الى العهد الرومانى والعهود الإسلامية ( المصدر ويكبيديا الحرة بتصرف من الكاتب ) .

وتم تقديم مجموعة أخرى من الأوراق خلال الجلسة الثانية من المؤتمر وكانت النقد الساخر في قصص معمر القذافي وقدمها الدكتور يحيىجبر والجملة الطلبية في مجموعة قصص القرية القرية الأرض الأرض قدمها الدكتور حسنابو الرب وورقة بعنوان سيمائية العنوان في سلسلة أدبيات القائد قدمها الدكتور سعيدشواهنة وورقة بعنوان البعد الإنساني في فكر وأدب معمر القذافي قدمها الدكتور عدنانعيا

المزيد


نقد نقد العقل العربي

يوليو 22nd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

 د.عبد الرزاق عيد 

ثمة إنجازات فكرية كبرى يظلمها ضخامة انجازها، مما يخلف أثرا مهيبا لدى قارئها من مقاربتها لقلق مشروع من عجز أية مقاربة على مطاولة ضخامة البنيان، ومن ثم الخشية من الإساءة إليه اختزالا في مقال عابر، كما حدث أو يمكن أن يحدث مع مشروع فكري بدأه المفكر السوري (جورج طرابيشي) وهو في ذروة نضجه الفكري والمعرفي وهو منذ عقد ونصف، وذلك في موسوعته نقد نقد العقل العربيفي محاورة المشروع الفكري الموسوعي لمحمد عابد الجابري الذي بدأه منذ الثمانينات تحت عنوان نقد العقل العربي“.

ونحن لا نرى أنفسنا مغالين عندما نطلق على مشروعي الجابري/ طرابيشي صفة الموسوعية، بل ولسنا مغالين إذا ذهبنا إلى القول: إن دارسي تاريخ الفكر العربي الحديث، سيخلصون إلى أن القرن العشرين وَسَمَته ثلاث موسوعات فكرية تتناول التراث الفكري العربي الإسلامي، متمثلة: أولا بموسوعة أحمد أمين الشهيرة عن (فجر وضحى وظهر الإسلام) في أواسط النصف الأول من القرن العشرين، وبموسوعتي محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي في العقدين الاخيرين من القرن العشرين، ومستهل القرن الواحد والعشرين. إذ أن طرابيشي بدأ مشروعه النقدي لمشروع الجابري قبل الشروع في موسوعته، وذلك منذ سنة ١٩٩٣ عندما أصدر كتابه مذبحة التراث في الثقافة العربية“.

لقد توَجه اليوم بصدور الجزء الرابع العقل المستقيل في الإسلامليحاور السؤال المركزي الذي يخترق مشروع الجابري، وهو سؤال عوامل استقالة العقل العربي: هل هي عوامل خارجية، يمكن تعليقها على مشجب الآخر، أم هي عوامل داخلية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية الإقالة المأساوية لنفسه بنفسه؟!

وهو يرد بذلك على ما يعتبره الجابري غزوا خارجيا تمثل باللامعقول الهرمسي والغنوصي، وتصوف وتأويل باطني وفلسفة إشراقية وسائر تيارات الموروث القديم، وهو(طرابيشي) في طريقه لتفكيك أطروحة الجابري، فإنه كان قد غاص في تاريخ فلسفات وأفكار الموروث القديم هذا  لفترة تستغرق خمسة عشر عاما قام خلالها في إعادة بناء ثقافته الفلسفية على حد تعبيره، وهو إذ كان يعيد بناء عمارته  فإنه كان يعمل على تقويض عمارة الجابري، ليستجلي صدقية هذا الغزو وحقيقته وشكله ومواقع اندفاعاته، وهو في ذلك يطوف بنا في مجاهل ثرة ومدهشة من عوالم فلسفات وأفكار الموروث القديم، يساعده على ذلك عمر من النشاط الكثيف في مجال الترجمة الذي لا يدانيه مترجم عربي في عصرنا، إذ تجاوزت ترجمات الصديق (جورج طرابيشي) المئة من الأمهات، وانصراف مديد (١٥ سنة) لمصاولة المشروع المختلف (نقد العقل العربي) عبر التعرف على كل مصادره ومراجعه وقراءاته (التراث اليوناني- التراث الأوروبي الفلسفي- التراث العربي الإسلامي- ليس الفلسفي فحسب، بل والكلامي والفقهي واللغوي والبياني. ولعل ما لا يقبل التأجيل في معاورة موسوعة طرابيشي الكبرى، هو اكتشافه لكتاب في الموروث القديم الفلاحة النبطيةيعود تاريخ تأليفه إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وذلك في الجزء الأخير من سلسلته النقدية العقل المستقيل في الإسلام“. إذ أن هذا الكتاب: “الفلاحة النبطيةاللقيا يتوفر على نسيج من المفاهيم و شبكة من الأفكار تدعو للدهشة، في مدى انطوائها على نظرات وخطرات وتفسيرات وتأويلات تتحلى بدرجة عالية من الراهنية بل والمعاصرة ما يجعلها طليعية حتى في زماننا، حتى نكاد أن لا نصدق أن مصفوفة ثقافية مقمشة من هذا النسيج القديم يمكن أن تنتج منذ تسعة عشر قرنا. ولو أن اكتشاف الأستاذ طرابيشي لهذا الأثر وقع في يد باحث أوروبي لاكتسب هذا الكتاب أهمية عالمية بقوة المركز الأوروبي الإعلامي، ولو ان هذا الكتاب أتيح لماركس أن يطلع عليه في حينه لترك أثرا على هيكلية بنائه لقارته التاريخانية…!

وعلى هذا فقد وجدت أن أعود إلى مشروع جورج طرابيشي منذ بداياته الاولى، لأعرضه وأحاوره في حدود المتاح من الكلام في جريدة أو مجلة، قبل تناول العقل المستقيل في الإسلامالجزء (الرابع) الأخير، وذلك بتناول الأجزاء الأربعة، لنخص كل جزء بحلقة دراسية موجزة تعطي لهذا السفر بعضا من حقه على الفكر العربي المعاصر الكسول بل والمذهول وهو يعيش –اليوم- لحظة الانتقال من التنوير إلى التكفير، مما يبدو أن مشروعي الجابري وطرابيشي وكأنهما يأتيان خارج السياق، سياق زمن ثقافي وفكري ينوس بين (القرضاوي والزرقاوي).

يحاور طرابيشي في كتابه: الجزء الأول  نظرية العقلمشروع الجابري في خمسة عناوين، لا يسميها أقساما أو فصولا، بل هي إشكالات أغلقها الجابري بإجاباته، فأراد طرابيشي أن يفتحها من جديد بأسئلته. فبدأ بمناقشة التاصيل النظري الذي يضعه الجابري للعقل، وذلك لأن جزءا من الشهرة التي حازتها كتابات الجابري، في جزء منها تعود إلى توظيفه مفهوم العقل كما هو كذلك نظرية العقل“. - دار الساقي- ط٢- ١٩٩٩ص ١١

وهنا يشير الباحث إلى أن استخدام مصطلح العقلسبق ان استخدمه زكي نجيب محمود ١٩٧٧، وأحمد موسى سالم الذي رد بكتاب على زكي نجيب محمود سنة ١٩٨٠، ويربط سبب صعود نجم الجابري –من منظور علم اجتماع المعرفة- إلى أنه أعاد الاعتبار لمفهوم (العقل والعقلانية) بعد هيمنة الإيديولوجيا (الوعي غير الواعي) بعد هزيمة ١٩٦٧، وعلى مستوى منظور علم النفس بظاهرة (العصاب الجماعي) الذي لحق بالانتليجنسيا العربية، بعد هزيمة حزيران، ونكوصها للبحث عن أب حام أو أم كلية القدرة –ص١٢.

وكان قد تقصى مظاهرها العصابية المرضية في كتاب صدر له سنة ١٩٩١- عن دار الريس تحت عنوان المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي“. لكن ما يميز الجابري عمن كتبوا من قبله عن العقل العربي حسب طرابيشي- هو قوة تأسيسه النظري، او الابستمولوجيودفعه إياه من مستوى اللفظ أو المعنى إلى مستوى المفهوم.

ونحن نجدها مناسبة للتنويه- حيث السياق لا يتيح التفصيل- إلى أننا أظهرنا أن طه حسين في كتابه قادة الفكرالصادر سنة ١٩٢٥، قد ارتفع بملفوظ العقلمن مستوى اللفظ والمعنى إلى مستوى المفهوم بوصفه أداة للتفكير ونظاما مفاهيمياوذلك في كتاب لنا عن طه حسين العقل والدينص ٧٨-٨٤، وكنا قد قمنا بمقارنة بين المفهوم التاريخاني للـالعقلعند طه حسين، والمفهوم النسقي عند الجابري، وذلك في كتاب لنا عن أزمة التنوير ص٩٢-١١٧.

ويخلص طرابيشي إلى أن استعارة الجابري لهذا المفهوم من تمييز لالاند للعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، ضمن للفيلسوف الفرنسي الذي أصدر كتابه

المزيد


الصوفي يهزم الفيلسوف؟ … تركي علي الربيعو

يوليو 19th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

801sao

قراءة نقدية لمشروع محمد عابد الجابري

في كتابه الشهير المُعَنْوَن بـالخطاب العربي المعاصر كتب الجابري ما يلي: “يبدو أن معطيات علم النفس، والتحليل النفسي بكيفية خاصة، تجد ما يزكِّيها في سلوك العرب الفكري إزاء مشروع النهضة.”[1] والذي يقرأ كتاب الجابري السالف الذكر يستنتج لماذا يستدعي الجابري التحليل النفسي لقراءة الخطاب النهضوي. فهذا الخطاب، من وجهة نظره، خطاب تضخيمي: “فكلما اشتدت عليهم [المقصود هنا العرب] وطأة هذا الواقع المرفوض، كان هروبهم إلى الأمام أشد وأعنف. نقصد بذلك أن طموحهم النهضوي يزداد ويتضخم بازدياد وتضخم وَقْع الحاضر عليهم، لا فرق في ذلك بين من يدعو إلى بعث النموذج الإسلامي، وبين من يطالب بالاقتداء بالنموذج الأوروبي، أو بين من يقول بأخذ أحسن ما في النموذجين.”[2] هذا من ناحية. من ناحية أخرى، فعندما يتحدث العرب عن النهضة أو الثورة، فإنما يتحدثون عن مشروع لم يتحقق بعد كاملاً، بل يجب القول، عن مشروع لم يكتمل بعد على صعيد التصور الذهني.”[3] النخبة المثقفة العربية التي تساهم في صياغة خطابنا المعاصر، بمفكِّريها وسياسييها، هي نخبة مريضة وتحتاج إلى محلِّلين نفسيين من شأنهم أن يكشفوا لنا عن سبب الهروب المستمر إلى الأمام الذي تمارسه النخبة إزاء حالة التخلف المستمرة. هذا ما أخبرنا به الجابري؛ وعبره كنا ننتظر، بفارغ الصبر، اكتمال التصور الذهني للملامح العامة للاستراتيجية الرشدية التي بشَّرنا بها في كتابه الصادر مع بداية عقد الثمانينات المعنون بـنحن والتراث؛ وفيه يقول: “إن الروح الرشدية يقبلها عصرنا لأنها تلتقي مع روحه في أكثر من جانب، في العقلانية والواقعية والنظرة الأكسيومية والتعامل النقدي. تبنِّي الروح الرشدية يعني القطيعة مع السينوية (المشرقية) الغنوصية الظلامية.”[4]

عندما صدر الخطاب العربي المعاصر بعد كتابه السابق الذكر عاد الجابري ليبشِّرنا بأنه يبحث عن الطريق من داخل الغابة، لا من خارجها. فهذا البحث من شأنه أن ينهي القطيعة بين الفكر والواقع في الإيديولوجيا العربية المعاصرة. إذ إن غياب العلاقة بين الفكر والواقع في الخطاب العربي المعاصر جعل الخلافات النظرية والإيديولوجية لا نتيجة الاختلاف في تأويل الواقع وتفسيره، بل نتيجة اختلاف السلطة المعرفية المعتمدة كمرجع. فالخطاب العربي المعاصر لا يطرح قضايا الواقع الملموس، بل قضايا تقع خارج الواقع، قضايا مستعارة من النموذج–السلف[5].

وفي إطار نقده للعقل العربي، أصدر الجابري كتابه الموسوم بـتكوين العقل العربي (1984)؛ وبعده بسنتين، صدر كتابه بنية العقل العربي الذي يشكل الجزء الثاني في إطار نقد العقل العربي“. وبذلك يكون المشروع قد اكتمل على صعيد التصور الذهني، واتَّضحت ملامحه وملامح الاستراتيجية الرشدية. وعبر هذا فإن أية محاولة نقدية لمشروع الجابري لا تستدعي، أو تتطلب بالضرورة، استحضار محلِّلين نفسيين! فالحكم هنا يتم على مشروع قد اكتمل على صعيد التصور الذهني.

عقلانية ابن رشد وصوفية ابن سينا

يمكن القول بدقة أن مشروع الجابري هو آخر وأكبر تظاهرة في حركتنا النقدية العربية الجديدة من أجل الاعتراف بالمعقول وإقصاء اللامعقول عن حياة العرب. فالاستراتيجية الرشدية التي بشَّرنا بها في كتابه نحن والتراث عاد ليوضح لنا ملامحها في كتابه تكوين العقل العربي. يقول الجابري: “إننا نعتقد أن الاستراتيجية الرشدية، أعني التي دشَّنها ومارسها ابن رشد، هي وحدها الكفيلة بتحرير العقل العربي من تشنجات المعقول الديني وردَّات اللامعقول العقلي. إن تحقيق مصالحة عقلانية بين المعقول الديني والمعقول العقلي (=العقل الكوني) على الطريقة الرشدية التي تعتمد الفصل بين الدين والفلسفة، وبالتالي تجاوز الحاجة إلى الغنوص gnoseإن تحقيق مصالحة من هذا النوع شرط ضروري لتحرير العقل العربي من الدوافع والأهداف التي جعلته يقيم اللامعقول العقلي وسيطاً بين الله والناس، بين الدين والفلسفة؛ الشيء الذي جعله يعاني من الحضور المكثف للغيب ومقولاته، ويجد نفسه، بالتالي، مهيأ للهروب، تحت وقع أي صدمة، من عالم الشهادة إلى عالم الغيبمن المعقول إلى اللامعقول.”[6]

سوف أسترسل قليلاً في توضيح ملامح الاستراتيجية الرشدية لكي تأخذ المناقشة مجراها الواضح. ففي كتابه نحن والتراث (الذي نعود إليه كأساس وكمحطة أساسية في مشروعه) قام الجابري بشنِّ هجوم حاد على الفلسفة السينوية (نسبة إلى ابن سينا) وجذورها التاريخية. فمن وجهة نظره، ومن خلال حفرياته في تاريخ الفلسفة المشرقية وذلك عبر نوعين من القراءة، مباشرة وغير مباشرة (إسقاطية)، استنتج ما يلي:

أ‌.        ابن سينا هو المدشِّن الفعلي لمرحلة الجمود والانحطاط.[7]

ب‌.   عمل ابن سينا على تكريس لاعقلانية صميمة في الفكر العربي الإسلامي تحت غطاء عقلانية موهومة.[8]

ت‌.   كانت الفلسفة المشرقية السينوية، في آن واحد، تعبيراً عن وعي قومي مهزوم ووعي إيديولوجي مقلوب؛ فهي إحدى تجلِّيات الوعي القومي الفارسي المهزوم، لكنْ الحي دوماً، المتطلِّع إلى استعادة نفسه باستمرار وبكبرياء. ولذلك كان هدفه هو إنشاء فلسفة مشرقية ذات خصوصية قومية فارسية.[9]

ث‌.   يجب أن ننظر إلى العمل على دمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين كجزء من نضال عام – سياسي اجتماعي ثقافي – ضد الحصار السني للدولة، قام به أبناء الشعوب المضطهَدة قومياً وطبقياً.[10] وعبر هذا نستطيع أن نفهم الدوافع القومية–الإيديولوجية في فلسفة ابن سينا؛ وكذلك لماذا كانت الإسماعيلية – كرافد أساسي في تكوينية ابن سينا – إيديولوجيا الطبقات والقوميات المضطهَدة.

مثَّلت الفلسفة المشرقية السينوية، وامتداداتها النظرية على صعيد الفكر المجرد في المشرق العربي، نظاماً فكرياً في التراث الثقافي العربي الإسلامي يتميز عن نظام فكري آخر وجد تعبيره في الفكر النظري في المغرب. يرى الجابري، بهذا الصدد، أن ثمة قطيعة إبستمولوجية بين النظامين، قطيعة تمسُّ، في آن واحد، المنهج والمفاهيم والإشكالية.[11] وقد وجد هذا النظام الفكري المغربي تعبيره في الاستراتيجية الرشدية؛ إذ إن المشروع الفلسفي لابن رشد كان يقوم أساساً على الفصل بين الفلسفة والدين حتى يتأتَّى لكل منهما الحفاظ على هويته الخاصة ويصبح في الإمكان رسم حدودهما وتعيين مجال كل منهما، من ناحية؛ والبرهنة، من ناحية أخرى، أنهما معاً يرميان إلى نفس الهدف. من هنا يمكن القول إن المدرستين، الرشدية والسينوية، تمثلان مظهرين أساسيين، ومتمايزين، من مظاهر العقلانية في الإسلام؛ بل يمكن اعتبارهما اتجاهين عقلانيين، ليسا فقط متمايزين، بل متناقضي الاتجاه: العقلانية الرشدية عقلانية واقعية، والعقلانية الفارابية–السينوية عقلانية صوفية“”[12]. ويضيف الجابري: “إن ابن رشد يرفض القول القائل بأن الله هو الملابِس لجميع ما ههنا والمحرِّك له، لأن هذا القول يؤدي في نظره إلى القول بأن ما يُدرَك من الأسباب والمسبِّبات باطل، لأن المعرفة بالمسبِّبات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. فرفع هذه الأشياء – أي إنكار ارتباط المسبِّبات بالأسباب – هو مبطل للعلم ورفع له.”[13]

الاستراتيجية الرشدية تقول بالسببية، وبذلك ترفض التوسط وتنحاز للمعقول على حساب اللامعقول. فهدفها هو اجتثاث اللامعقول من حياتنا الذي يدفع باستمرار إلى الهروب إلى الأمام؛ خاصة وأن هذا اللامعقول وافد على الثقافة العربية الإسلامية – يسميه الجابري بـالعقل المستقيل” – الذي تغذيه ثلاثة تيارات رئيسية:

أ‌.        المانوية (نسبة إلى ماني) التي تجمع بين الزرادشتية والمسيحية والبوذية والتي استهدفت تقويض الأساس الفكري للدولة الإسلامية في العهد العباسي الأول؛

ب‌.   الهرمسية (نسبة إلى هرمس) التي تقوم أساساً على نزعة صوفية إشراقية؛

ت‌.   التيار الثالث هو الأفلاطونية المحدثة.

هذه التيارات الثلاثة – إلى جانب تيار رابع يتمثل في الإسرائيليات كرافد أساسي من روافد اللامعقول الذي قدم للفكر العربي الإسلامي الحديثَ حول البداية والنهاية – تزامنت جميعاً في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي وجمعها قاسم مشترك في كونها قد نهلت من الموروث الأسطوري البابلي القديم – وهذا ما يعتقده الجابري – لتبدأ بضخِّه من جديد عبر قنوات الموروث العربي الإسلامي. وقد توقف الجابري لشرحها في كتابه المعنون بـتكوين العقل العربي.

الهرمسية في ثنايا العقل العربي

في إطار نقده للعقل العربي يقول الجابري: “إن العقل العربي الذي سنقوم بتحليله (تحليل تاريخي وبنيوي ومن موقع إيديولوجي واعٍ) تحليلاً نقدياً ليس مقولة فارغة ولا مفهوماً ميتافيزيقياً ولا شعاراً إيديولوجياً للمدح والذم، وإنما نقصد به جملة من المفاهيم والفعاليات الذهنية التي تحكم، بهذه الدرجة أو تلك من القوة والصرامة، رؤية الإنسان العربي إلى الأشياء وطريقة تعامله فيها في مجال اكتساب المعرفة، مجال إنتاجها وإعادة إنتاجها.”[14]

وانطلاقاً من أن عصر التدوين هو الإطار المرجعي للثقافة العربية الإسلامية، فإن الجابري يحدد الإطار الذي يعمل فيه – وهو إطار الثقافة العالِمة التي دشَّنها عصر التدوين – وينحِّي جانباً الذاكرة والمعيش والخرافة والأسطورة. يقول: “إننا قد اخترنا عن وعي التعامل مع الثقافة العالِمة وحدها، فتركنا جانباً الثقافة الشعبية، من أمثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها.”[15] وفي ضوء اختياره للثقافة العالِمة كإطار، يتوجَّه من جديد لدراسة الأسطورة العالِمة – إن جازت لنا التسمية – بوصفها الإطار المرجعي للامعقول، التي تغلغلت في ثنايا العقل العربي وفرضت عليه رؤية ميثولوجية (= أسطورية) للكون ولعلاقة الإنسان بالطبيعة، وجدتْ تعبيرها في نظام العرفان. والجابري بذلك يقتفي أثر الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان في بحثه عن دور الخيال imaginaire (الأسطورة) في الفلسفة الشيعية الإسلامية. إن المكونات الأساسية للعقل العربي الإسلامي، كما يرى الجابري، كناية عن ثلاثة أنظمة: نظام البيان، ونظام العرفان، ونظام البرهان. وانطلاقاً من أن المعقول الإسلامي يتحدد انطلاقاً من اللامعقول، يبدأ الجابري بالبحث عن اللامعقول في ثنايا العقل العربي الذي يجد تعبيره في نظام العرفان. يميِّز الجابري هنا بين عرفانين: العرفان كموقف (فردي ونفسي وعملي، يتلخص في رفض العالم ونشدان الاتصال بالإله والدخول معه في نوع من الوحدة)[16]؛ والعرفان كنظرية (يطغى فيه التفسير والتأويل ومحاولة تشييد نظرية دينية فلسفية تشرح تطور الخليقة من المبدأ إلى المعاد)[17].

ما يهمنا هو العرفان كنظرية، كرؤية ميثية (= أسطورية) لله وللكون والإنسان، وجدت تعبيرها في ملحمة التكوين الهرمسي (رؤيا هرمس)، وشكَّلت، بتفرعاتها المانوية والزرادشتية والأفلوطونية المحدثة والإسرائيليات، حلفاً قوياً ساهم في رفد وغزو نظام البيان العربي الإسلامي (المعقول العقلي الديني العربي الذي يتحدد بثلاثة عناصر: القول بوجوب معرفة الله، والقول بوحدانيَّته، والقول بالنبوة)[18] بكل عناصر اللامعقول الذي تتحدد عناصره بعكس عناصر المعقول الديني العربي الذي يمتح من الموروث القديم.

في كتابه الهام المُعَنَْوَن بـبنية العقل العربي حظيت الرؤية الهرمسية الأسطورية للكون وبدء الخليقة بالكثير من التفرد. فبعد أن عرض لها في كتابه الموسوم بـتكوين العقل العربي، قام في بنية العقل العربي بنقل هذه الرؤية الأسطورية بنصها إلى العربية، وقام بالشرح والتعليق عليها، وتابع تغلغلها في الفكر العربي الإسلامي عند الشيعة (أول من تَهَرْمَس في الإسلام)، ثم تابع تحولاتها داخل هذا الفكر، كما تجسدت في فكرة الإمامة، ثم انتقالها إلى المتصوفة الإسلاميين من السنة، كما يتجلَّى في شرحه لنصَّيْ الجنيد وابن عربي.

ويركز الجابري على رؤيا هرمس لأنها، من وجهة نظره، تنحو منحى أسطورياً يقدم الحل لمشكلة الشرِّ في العالم. وفي دراسته لأسطورة الخليقة الهرمسية، باعتبارها المنهل الذي ينهل منه جميع العرفانيين، يميز الجابري بين عدة مراحل (مراحل الخلق):

-         المرحلة الأولى: التقرير بأولوية النور؛ فالنور هو العقل (الإله الأب).

-         المرحلة الثانية: انفصال النور عن النار انفصالاً نهائياً.

-         المرحلة الثالثة: إنجاب الإله الأب للابن (الإله الصانع).

-         المرحلة الرابعة: ظهور الإنسان السماوي الأول على صورة الإله الأب الكلِّي.

-         المرحلة الخامسة: تتضمن حديثاً عن يوم المعاد ومرحلة ما بعد الموت وعودة الروح إلى بارئها.[19]

الرؤيا الهرمسية هي البئر الذي يمتح منه العرفان كموقف والعرفان كنظرية. وهذه الرؤية سوف تمهِّد للانسحاب من عالم الواقع إلى عالم العقل المستقيل، وسيتاح لها، في القرنين الخامس والسادس الهجريين، أن تغزو نظام البيان العربي الإسلامي من خلال المتصوفة (ابن عربي والجنيد وغيرهما) الذين سعوا إلى تأسيس البيان على العرفان، بعكس ما فعله ابن رشد الذي عمل على تأسيس البيان على البرهان؛ وبذلك مهَّدوا لاستقالة العقل العربي في المشرق العربي أولاً، وفي المغرب العربي والأندلس لاحقاً، لتُكتَب عليه الغربة في أرض أخرى – وطوبى للغرباء

المزيد


مناورات لفك الحصار 002

يوليو 18th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

saouds

    أن احد مفاتيح العلاقات الإنسانية الجماعية هو مايسمى بالعنف، ليس العنف الفردي المحدود، والذي تركز عليه عادة أجهزة الإعلام المختلفة في أوربا، كالجريمة والإرهاب. إنما العنف الجماعي المنظم، أي عنف الدولة“. والعلاقات الدولية مبنية أساسا على هذا العنف المقنع تحت عدة تسميات مختلفة، مثل الحرب الوقائية، والحرب ضد الإرهاب، والحرب من اجل الديمقراطية. هذا العنف المنظم يبدو على الدوام كخلفية مستمرة عبر التاريخ لهذه العلاقات المتشابكة. والمؤسسات العسكرية بكل أنواعها، هي الجهاز، أو الآلة الضخمة التي تواصل بواسطتها هذه الدول استعمال القوة والعنف، من اجل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية في العالم من جهة، ومن ناحية اخرى من اجل استعباد مواطنيها، واستلاب حرياتهم الأساسية. أن المؤسسات العسكرية الأمريكية، والمؤسسات العسكرية التابعة للدول الرأسمالية بشكل عام، تشكل أولا وقبل كل شيء تهديدا تستعمله هذه الأنظمة لحماية مصالحها الرأسمالية في أية بقعة على سطح الكرة الأرضية. وهي قادرة عمليا بواسطة جيوشها المعدنية الحديثة على ضرب أي موقع وتخريب أية مدينة واحتلال أية دولة أخرى في ظرف أيام أو أسابيع قليلة. وذلك بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية والمادية. هذه الجيوش تشكل العمود الفقري لهذه الأنظمة، وليست مجرد مؤسسات فخرية للمهرجانات السنوية، أو أعياد ميلاد الملوك والأمراء، أو لإحياء ذكرى الاستقلال“. إن دورها محدد وأساسي، ولا يمكن اعتباره جانبيا أو فرعيا. فالجيش الأمريكي على سبيل المثال، يعتبر أضخم مؤسسة صناعية في العالم، ينتمي إليها أكبر العلماء والخبراء والمهندسين والمخططين، وتخرج من مصانعها احدث أجهزة الدمار وأسلحة الموت. وتصدير هذه الأسلحة، أو على الأقل جزء منها، يعتبر أكبر مصدر للدخل بالنسبة لأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وبقية دول أوربا الرأسمالية. ففرنسا على سبيل المثال بلغ دخلها من بيع الأسلحة 13 مليار يورو في السنوات الثلاث الأخيرة. وهي تحاول الضغط دوليا من اجل رفع الحضر على تصدير السلاح إلى الصين، ليس من اجل عيون الصينيين والصينيات، وإنما من اجل توسيع سوقها المدمرة. أن المؤسسات العسكرية الرأسمالية هي أولا وقبل كل شيء مؤسسات وشركات اقتصادية، وهي في تعاون مستمر وفعال مع بقية الشركات الرأسمالية من أجل السيطرة على السوق العالمية، يساندها في ذلك كل جهاز الدولة ـ وزارة الخارجية، السفارات المختلفة، والمراكز الثقافية، الخ. إنها ليست مجرد دبابات وصواريخ وطائرات تتراكم في المعسكرات ليأكلها الصدأ كما في بلدان العالم الأخرى. والكل يعرف مساهمة هذه المؤسسات العسكرية في الاختراعات الحديثة، والتي آخرها شبكة الانترنت، التي خرجت من جماجم العسكر الأمريكيين. إن محاولة التفكير وتحليل العلاقات الإنسانية على مستوى المجتمعات الدولية المختلفة، تفضي بنا مباشرة إلى حقيقة أولية في غاية البساطة، وهي انه لتغيير العلاقات العالمية، وبنائها من جديد على أسس سليمة وخالية من العنف، لابد من التساؤل عن الجيش كمؤسسة عسكرية، وعن ضرورة وجود مثل هذه المؤسسات على المستوى الدولي. فعلى مدى التاريخ، يبدو واضحا أن الجيوش منذ تكونها لا تخدم، ولم تخدم سوى هدف واحد يتيم هم السلطة“. ولا يوجد أي جيش في العالم لا يخدم، أو يمارس السلطة بطريقة أو بأخرى. وأسطورة الجيوش الشعبية ما هي إلا خرافة نقدمها للشعب الجائع لكي يواصل قيلولته الطويلة دون أن يستيقظ. إن أي شعب من الشعوب لا يحتاج إلى الجيش إلا في ظروف محددة، بل شديدة التحديد. وقد اختفت هذه الظروف ـ على الأقل نظريا ـ تماما من الساحة السياسية المعاصرة، ما عدا بعض الاستثناءات، وذلك حين يكون الاحتلال واضحا، ومتفقا عليه دوليا، مثل حالة العراق، وفلس

المزيد


دراسة موسعة عن التدوين والمدونات

يوليو 15th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

747sao

نشر بلا حدود لكن بخوف (231 صفحة) هو عنوان دراسة بدأها الباحث  منذ عام 2006 وانتهت منتصف العام الحالي وتصدر عن الرابطة العربية للثقافة والفكر والأدب حيث خلصت إلى إن المدونات تحظى باهتمام 38 بالمائة من مستخدمي الانترنت في الوطن العربي وان نصف هذه النسبة تتابع المدونات بشكل يومي وما يزيد بقليل عن ثلث هذه النسبة يعتبرها مصدرا مهما لكن ليس وحيدا لمعلوماته. وجاء في دراسة أعدها الباحث الدكتور مصطفى سالم إن اعتبار المدونات كمصدر معلومات يتركز حول المدونات ذات الطبيعة الإخبارية والتي غالبا ما يكون لها موقفا معارضا من سلطات بلدها، لأسباب تتعلق بكونها أكثر حرية وجراءة ولأنها تقدم معلومة يراها نصف متابعيها بشكل يومي أنها مختلفة، رغم إن البعض من هذه المعلومات يكون مصدرها مواد .منشورة ورقيا . وتظهر الدراسة أن التدوين وان انتشر بشكل سريع قياسا لعدد مستخدمي الانترنت إلا انه لم يرتق بعد ليصل مرحلة من النضج في النشر

التدوين والحرية

ويرى الباحث  إن التدوين أتاح الكتابة بحرية أوسع لكن لم يخلو الأمر من متابعة السلطات العربية، أو خوف المدون نفسه من الملاحقة. غير إن عددا ممن كان ينادي بحرية النشر لم يستغل التدوين والمدونات للنشر بدون قيود.

 إن ظاهرة توفر الكتابة بدون رقابة مسبقة في المدونات بعد أن تحققت أحرجت ليس فقط السلطات العربية، بل بعض دعاة النشر بدون رقابة، وحين انشئوا لهم المدونات لم نجد فيها إلا ما كانوا ينشرونه في المطبوعات. إن كل ذلك يدل على إن المدون مازال قلقا من نتائج ما يكتب. وليس الاعتقال هو ما يخيف دوما المدون، بل الطرد من الوظيفة أيضا لاسيما إن كان موظفا في الحكومة.

قياس الرأي

لا يمكن أن تكون المدونات وحدها التعبير الدقيق عن رأي المجتمع لكنها جزء من الآراء التي توجد في المجتمع العربي، وهو ما وفر فرصة لتكوين لمحة عن  تلك الآراء المتداولة. تتجاهل الحكومات العربية إنشاء وحدة دراسة أراء المجتمع من خلال المدونات، بينما يتم متابعة المدونات في نطاق الأجهزة الأمنية، ويدعو الباحث الحكومات العربية لإنشاء وحدة دراسة متكاملة للآراء المطروحة عبر التدوين والكف على اعتبار ملاحقة المدونات قضية أمنية.

حجب المدونات

إن حجب بعض المدونات في معظم الدول العربية هو ممارسة شائعة تمثل رفض السلطات العربية لنشر بدون رقابة، أو نشر بدون خضوع لقوانين محلية غالبا ما تم إعدادها للتضييق على حرية الرأي.

إن الخوف من الاعتقال والقمع جعل 87 بالمائة من المدونات التي ذات طابع سياسي أو اجتماعي أو ديني باسم مستعار.

و إن بعض المواقع العربية حجبت مدونات بشكل كامل أو مؤقت لأسباب تتعلق بالرأي وحرية الفكر وتناولها أنظمة عربية، أو سلطات دينية، أو أصحاب نفوذ مالي.

كما إن 64 مدونا تعرض للاعتقال خلال عام واحد في كل الأقطار العربية وان بعضهم مازال في السجون دون محاكمات.

ويذكر إن دولة عربية حظرت مدونة من بلد عربي آخر مع إن المدونة هذه لا تضم إلا الخواطر والحب، واتضح فيما بعد إن ذلك بسبب وجود تعليق  فيها من مدونة أخرى يتكلم فيها المعلق عن سبب تركه لبلده، كما إن دول عربية حظرت مدونات من دول عربية أخرى وحسب الخلاف بين الأنظمة ومستوى هذا الخلاف.

فرسان المدونات

يطلق الباحث هذا اللقب على مدونين يكتبون بأسماهم الصريحة ويتناولون قضايا الحرية والديمقراطية والفساد في بلدانهم. إن هذه الظاهرة تعتبر متميزة في مدونات عدد محدود من الدول العربية واقل في بقية الدول. وإن عددا من المدونين ممن يكتب باسمه الصريح تم اعتقاله وإطلاقه، لكن مازال البعض منهم في المعتقل دون محاكمة. ومما يلفت النظر إليه مدونات اليمن التي تمتاز بالرصانة والشجاعة، كما إن 72 بالمائة من التدوين الليبي كمقال يركز على القضايا العربية البارزة. أن يأتي اليوم الذي يكتب فيه الجميع باسمه الصريح، تلك هي أمنية يشترك معي فيه الكثير.

المدونات والرواج

تعد مدونات الخليج العربي الأقل رواجا بينما تعد المدونات الأكثر رواجا بين العراق مرورا ببلاد الشام ومصر وليبيا والجزائر والمغرب. ويقدر عدد المدونات في الوطن العربي بما لا يزيد عن مليوني مدونة يكون فيها إدراج جديد على الأقل مرة بالشهر. ويطلق الباحث على مدونات المغرب ومصر والعراق والجزائر والأردن وليبيا وسوريا بالمدونات الجاذبة للقراء.

ويؤكد الباحث إن مدونات المبدع سواء كانت الشعرية، أو القصصية، أو الفنية بمختلف الفروع والصنوف لا تشكل إلا اقل من واحد بالمائة من المدونات العربية. على الرغم من إن المدونات تنتشر بسرعة داخل القراء العرب ولا يخضع نشر النصوص لمزاج الصحف والمجلات وسياستها.

ترجمات

يقوم بعض المدونين بنشر ترجمات لنصوص إبداعية أو مقالات من لغات أخرى، وان كان ذلك بشكل محدود ويلفت النظر إلى مدونة الأديبة المغربية حبيبة زوكَي التي تترجم من والى العربية و الفرنسية. والتي من خلال مدونتها يمكن الاطلاع على نماذج من أدب غرب إفريقيا والأدب الفرنسي.

 المدون وصورته

يقول الباحث إن 8 بالمائة من المدونين يضعون صورتهم الحقيقة منهم اقل من واحد بالمائة من النساء، بينما لا يضع القسم الأخر، إلا صور مختلفة تشمل الطبيعة وصور مدن أو رمزا وغيرها من الصور. و ليس كل من كتب باسمه الصريح وضع صورته.

 المدونات وقضايا الساعة

يرى الباحث إن 32 بالمائة من المدونات تتفاعل مع قضايا الساعة الملحة بشكل كبير، لكنها مثل الإعلام العربي والمواقف الحكومية، أو شبه الحكومية يكون تفاعلها اقل إن ترتب على تفاعلها موقفا يستلزم التنديد بالولايات المتحدة الأميركية.

وبين إن التنديد بالدنمرك رغم جسامة ما اقترف من إساءة للرسول الكريم كان اكبر من التنديد بالولايات المتحدة رغم إنها صاحبة اكبر سجل إجرامي ضد العرب والمسلمين بشكل عام

المزيد


مناورات لفك الحصار 001 ssaoud salem

يوليو 10th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , نقد الفكر المحاصر

rasor0
ومن الكلمات ما يقتل، ألاف وملايين من البشر فقدوا حياتهم من أجل “الحرية”. الكلمة بسيطة من عدة حروف مزرية، كافية في وقت من الأوقات، وفي موقف معين لتجعل الإنسان يقرر أن يدافع عن حروفها بكل قواه العقلية والجسدية. غير إننا نعيش اليوم في عالم مقلوب، حيث تمكن محترفو السياسة، والذين يمتلكون خاصية هضم كل ما يناقضهم من الاستحواذ على هذه الكلمة السحرية، واستعمالها كسلاح إيديولوجي فتاك ضد كل هؤلاء المساكين المتعطشين للحرية. هذه الكلمة مصحوبة عادة بكلمة قاتلة أخرى “الديمقراطية”، أصبحت اليوم سلاحا من “أسلحة الدمار الشامل”، تستعمل لقنبلة وتفجيرالشعوب التي تعتبرها لا تمتلك المفاتيح اللازمة لفك طلاسم هذه المفاهيم الغريبة، والمعتبرة غير قادرة على فك قيودها، وتحطيم سلاسلها بنفسها. جورج بوش، أحد جزاري بغداد في خطاب عرشه الأخير، ذكر كلمة “الحرية” سبعا وعشرين مرة. إن ممثلي الحضارة يمتلكون قواميس الحرية والديمقراطية، ويفترضون ويفرضون قراءتهم ونصوصهم وحلولهم على سكان الكرة الأرضية بأسرها. الغرب الديمقراطي، العالم الحر، هو الذي يعـرّف الحرية، يرسم حدودها، ويقرر الزمان والمكان الذي يزرع فيه هذا النبات السحري. يحرث الأرض ويحرقها بواسطة الدبابات والمدافع، ويزرع الحرية والديمقراطية بقنابل الطائرات والصواريخ. هذا العالم الحر، الغرب المتحضر، والذي تمكن في خلال عدة قرون من بناء حضارته الإسمنتية والحديدية، تمكن من استعباد سكان إفريقيا وترحيلهم بالآلاف، ومن إبادة سكان أمريكا ومسحهم من الوجود، وعلى الاستعمار القاري. هذا الغرب المتحضر والمتحرر، هو الذي ذبح الملايين من الأوربيين في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. وذبح الملايين من سكان القارات الأخرى في حروب غير مرقمة ولا تحمل أسم “الحرب العالمية”. إن هذا الغرب المتحضر هو الذي خ

المزيد


التالي