
” تعقــــــيب “
النماذج التي تم عرضها هنا لم تكن - في الواقع - مجرد حوادث عشوائية تقع صدفة مثل حوادث المرور ، بل كانت أمثلة محددة تملأ شوارع المدن الأمريكية بانتظام يضاهي طلوع الشمس كل يوم من جهة الشرق والمرء يستطيع أن يفترض أنه سيفتح عينيه غداً ويكتشف أن الشمس قد طلعت صدفة من مكان آخر ، ولكنه بالتأكيد سيجد الولايات المتحدة ما تزال تجلس في فخها الأسود المليء بالنماذج المحزنة . فالشمس تملك فرصة الاختيار نظرياً على الأقل ، أما الولايات المتحدة فأنها لا تملك أية فرصة ، وليس بوسع أحد هناك أن يفعل شيئاً تجاه هذه الكارثة سوى أن يشرب مزيداً من الويسكي ويبحث عن مزيد من النقود . أن حبل المشنقة نفسه ليس أكثر إحكاماً من ذلك القانون الشامل . والمرء لا يجوز أن يتورط بأي حال في اعتبار الصدفة البحتة مخزناً لنتائج الحضارة لأن ذلك في الواقع لا يمكن تفسيره قط إلا إذا كانت الحياة نفسها قد بدأت بالصدفة ، وهو احتمال أعمى لم يعد يحتاج لمجرد النقاش ، أن الشعب الأمريكي بالذات قد قام على أنقاض شعب آخر أقل كفاءة وأقل قدرة على مواصلة الصراع المادي . وعمليات إبادة الهنود الحمر تمت بانتظام طبقاً لنظرية مؤداها ” إن الكفاءة المادية وحدها هي التى تملك الحق في إصدار الحكم النهائي ” وقد تم ذلك بالضبط في نهاية المطاف وأصدرت البنادق الأتوماتيكية ذات الكفاءة العالية حكماً بالموت على الهنود الحمر الذين فشلوا في تطوير سهامهم إلى الحد المطلوب ، ونبت الشعب الأمريكي في الأرض التي حصل عليها بكفاءته المادية وحدها ، ولم يكن ثمة مفر من أن يمد النبات الجديد جذوره في تلك التربة ويمتص منها غذاءه الذي يدعوه الآن ( بالكفاءة الآلية ) .. هكذا شهد العالم مولد أول شعب في التاريخ يعتمد على ( الآلة ) وحدها لتأمين بقائه . وأنطلق الأمريكيون الأوائل ينشئون المزارع ويذرعون مراعى القارة العذراء معتمدين في الدرجة الأولى على كفاءة البندقية الأتوماتيكية في مواجهة - سهام الهنود الحمر . وكان ذلك بالضبط هو الخطأ المميت الذي يدفع الشعب الأمريكي ثمنه الآن في حبل المشنقة . فالكفاءة الآلية لا تستطيع بأي حال أن تعمل بمثابة تربة صالحة لنشوء الحياة دون أن تنفث فيها السم الحقيقي الذي ندعوه الآن ( بالمادية الأمريكية ) أو بكلمة أخرى حضارة القرن الواحد والعشرين ، وذلك السم يقف مسؤولاً بثبات عن التطور الميكانيكي في الولايات المتحدة والتطور الاقتصادي أيضاً وخروج العملاق الأمريكي على مسرح العالم محملاً بالقنابل الذرية والشركات الفاحشة الثراء .. أن اللعبة تشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب . فالشعب الذي يفرض بقاءه بالبنادق الأتوماتيكية وحدها لابد أن يواصل الجري في هذا الاتجاه إلى آخر
مدى ويعيش سنواته الهمجية في قبضة أمهر الرماة وقطاع الطرق ومبارزات رعاة البقر ويدفع ثمناً سيئاً للغاية مقابل كل لحظة يعيشها هنا . فإذا استطاع أن يحل مشكلة الفوضى العامة بقوة القانون ، فإن ذلك لا يعني أنه سيظفر بالسلام بل يعني بكلمة قبيحة واحدة أنه سيواجه شيئاً آخر أكثر همجية وإمعاناً في التدمير من كل قطاع الطرق والهنود الحمر على حد سواء ، وأنه - في هذه المرة - لا يستطيع أن يحتمي بلعبة القانون . فانظروا ماذا حدث : لقد واجه الشعب الأمريكي ذلك الوحش ، وأطلق عليه أسم ( الكفاءة الآلية ) وطفق يطعمه كل ما لديه بما في ذلك أطفاله غير الشرعيين وزوجته التى تلهث عارية في سرير جاره وأولاده المسعورين على امتداد جبهات القتال من أمريكا اللاتينية إلى فيتنام وابنته التى ضاعت هدراً في سحب الحشيش وعمليات الإجهاض ومجلاته الجنسية وتبغه وكحوله وأعصابه المشدودة طوال النهار خوفاً من هبوط الأسهم في البورصة إلى جانب ذلك الإحساس المتناهي الفظاعة الذي ينتاب المرء عندما يدرك فجأة أن مطارده القاتل لا ينوى أن يتوقف أبداً .في مقابل هذا الجحيم يملك المواطن الأمريكي قارباً بخارياً وسيارة طويلة بشكل ملحوظ وبوليصة التأمين على الحياة والخدمة الطبية وجهاز التليفزيون الملون ورغوة الحلاقة المعطرة وبعض الدمى الأخرى . فمن خسر الصفقة في نهاية المطاف ؟ الهنود الحمر أم الشعب الأمريكي ؟ .. الإجابة بإيجاز متعمد أن الهنود الحمر لم يكسبوا شيئاً بالتأكيد لأنهم - منذ البداية لم يكن لديهم ثمة ما يستحق المساومة ، وقد انقرضوا كلية تقريباً قبل أن يعرف أحد منهم طبيعة الوباء الذي أدى إلى انقراضهم .. أما الشعب الأمريكي فقد خسر صفقته على خط مستقيم رغم كل ما لديه من الكنوز ، وفشل أيضاً - مثل الهنود الحمر بالضبط - في تحديد طبيعة الوباء الذي يعمل على إبادته . الهنود الحمر انقرضوا بفعل البنادق الأتوماتيكية . والشعب الأمريكي ينقرض الآن بفعل إيمانه بالبنادق الأتوماتيكية ، أن ذلك يشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب ، فالرجل الذي يخترع بندقية لكي يؤمن بقاءه دون أدني محاولة






















