العودة المحزنة إلى البحر 07… الصادق النيهوم

يوليو 17th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

121633

” تعقــــــيب “

النماذج التي تم عرضها هنا لم تكن - في الواقع - مجرد حوادث عشوائية تقع صدفة مثل حوادث المرور ، بل كانت أمثلة محددة تملأ شوارع المدن الأمريكية بانتظام يضاهي طلوع الشمس كل يوم من جهة الشرق والمرء يستطيع أن يفترض أنه سيفتح عينيه غداً ويكتشف أن الشمس قد طلعت صدفة من مكان آخر ، ولكنه بالتأكيد سيجد الولايات المتحدة ما تزال تجلس في فخها الأسود المليء بالنماذج المحزنة . فالشمس تملك فرصة الاختيار نظرياً على الأقل ، أما الولايات المتحدة فأنها لا تملك أية فرصة ، وليس بوسع أحد هناك أن يفعل شيئاً تجاه هذه الكارثة سوى أن يشرب مزيداً من الويسكي ويبحث عن مزيد من النقود . أن حبل المشنقة نفسه ليس أكثر إحكاماً من ذلك القانون الشامل . والمرء لا يجوز أن يتورط بأي حال في اعتبار الصدفة البحتة مخزناً لنتائج الحضارة لأن ذلك في الواقع لا يمكن تفسيره قط إلا إذا كانت الحياة نفسها قد بدأت بالصدفة ، وهو احتمال أعمى لم يعد يحتاج لمجرد النقاش ، أن الشعب الأمريكي بالذات قد قام على أنقاض شعب آخر أقل كفاءة وأقل قدرة على مواصلة الصراع المادي . وعمليات إبادة الهنود الحمر تمت بانتظام طبقاً لنظرية مؤداها ” إن الكفاءة المادية وحدها هي التى تملك الحق في إصدار الحكم النهائي ” وقد تم ذلك بالضبط في نهاية المطاف وأصدرت البنادق الأتوماتيكية ذات الكفاءة العالية حكماً بالموت على الهنود الحمر الذين فشلوا في تطوير سهامهم إلى الحد المطلوب ، ونبت الشعب الأمريكي في الأرض التي حصل عليها بكفاءته المادية وحدها ، ولم يكن ثمة مفر من أن يمد النبات الجديد جذوره في تلك التربة ويمتص منها غذاءه الذي يدعوه الآن ( بالكفاءة الآلية ) .. هكذا شهد العالم مولد أول شعب في التاريخ يعتمد على ( الآلة ) وحدها لتأمين بقائه . وأنطلق الأمريكيون الأوائل ينشئون المزارع ويذرعون مراعى القارة العذراء معتمدين في الدرجة الأولى على كفاءة البندقية الأتوماتيكية في مواجهة - سهام الهنود الحمر . وكان ذلك بالضبط هو الخطأ المميت الذي يدفع الشعب الأمريكي ثمنه الآن في حبل المشنقة . فالكفاءة الآلية لا تستطيع بأي حال أن تعمل بمثابة تربة صالحة لنشوء الحياة دون أن تنفث فيها السم الحقيقي الذي ندعوه الآن ( بالمادية الأمريكية ) أو بكلمة أخرى حضارة القرن الواحد والعشرين ، وذلك السم يقف مسؤولاً بثبات عن التطور الميكانيكي في الولايات المتحدة والتطور الاقتصادي أيضاً وخروج العملاق الأمريكي على مسرح العالم محملاً بالقنابل الذرية والشركات الفاحشة الثراء .. أن اللعبة تشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب . فالشعب الذي يفرض بقاءه بالبنادق الأتوماتيكية وحدها لابد أن يواصل الجري في هذا الاتجاه إلى آخر

مدى ويعيش سنواته الهمجية في قبضة أمهر الرماة وقطاع الطرق ومبارزات رعاة البقر ويدفع ثمناً سيئاً للغاية مقابل كل لحظة يعيشها هنا . فإذا استطاع أن يحل مشكلة الفوضى العامة بقوة القانون ، فإن ذلك لا يعني أنه سيظفر بالسلام بل يعني بكلمة قبيحة واحدة أنه سيواجه شيئاً آخر أكثر همجية وإمعاناً في التدمير من كل قطاع الطرق والهنود الحمر على حد سواء ، وأنه - في هذه المرة - لا يستطيع أن يحتمي بلعبة القانون . فانظروا ماذا حدث : لقد واجه الشعب الأمريكي ذلك الوحش ، وأطلق عليه أسم ( الكفاءة الآلية ) وطفق يطعمه كل ما لديه بما في ذلك أطفاله غير الشرعيين وزوجته التى تلهث عارية في سرير جاره وأولاده المسعورين على امتداد جبهات القتال من أمريكا اللاتينية إلى فيتنام وابنته التى ضاعت هدراً في سحب الحشيش وعمليات الإجهاض ومجلاته الجنسية وتبغه وكحوله وأعصابه المشدودة طوال النهار خوفاً من هبوط الأسهم في البورصة إلى جانب ذلك الإحساس المتناهي الفظاعة الذي ينتاب المرء عندما يدرك فجأة أن مطارده القاتل لا ينوى أن يتوقف أبداً .في مقابل هذا الجحيم يملك المواطن الأمريكي قارباً بخارياً وسيارة طويلة بشكل ملحوظ وبوليصة التأمين على الحياة والخدمة الطبية وجهاز التليفزيون الملون ورغوة الحلاقة المعطرة وبعض الدمى الأخرى . فمن خسر الصفقة في نهاية المطاف ؟ الهنود الحمر أم الشعب الأمريكي ؟ .. الإجابة بإيجاز متعمد أن الهنود الحمر لم يكسبوا شيئاً بالتأكيد لأنهم - منذ البداية لم يكن لديهم ثمة ما يستحق المساومة ، وقد انقرضوا كلية تقريباً قبل أن يعرف أحد منهم طبيعة الوباء الذي أدى إلى انقراضهم .. أما الشعب الأمريكي فقد خسر صفقته على خط مستقيم رغم كل ما لديه من الكنوز ، وفشل أيضاً - مثل الهنود الحمر بالضبط - في تحديد طبيعة الوباء الذي يعمل على إبادته . الهنود الحمر انقرضوا بفعل البنادق الأتوماتيكية . والشعب الأمريكي ينقرض الآن بفعل إيمانه بالبنادق الأتوماتيكية ، أن ذلك يشبه بالضبط خروج الغراب من الغراب ، فالرجل الذي يخترع بندقية لكي يؤمن بقاءه دون أدني محاولة

المزيد


العودة المحزنة إلى البحر 06… الصادق النيهوم

يوليو 5th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

سيلفا معروضة للبيع

saoudsschizo

أجل أنا امرأة عاهرة ، قالت سيلفا في مكتب المحقق وبصقت على الأرض أنت تريد أن تسمع ذلك لأنك مجرد شرطي مضحك ، ولأنهم هنا يدفعون لك أجرك لكي تكتب في دفترك المزري أنني امرأة عاهرة .. حسناً ، أكتب ذلك الآن . أنني أعترف لك بأنني حقاً امرأة عاهـرة ، و أنني أذهب عـادة مع أول خنزير يدفـع لي عشرة دولارات دون أن أسألـه عن أسمه ” .. ثم قالت سيلفا للمحقق إن ذلك يبدو فظيعاً ، أليس كذلك ؟ أعني أن يذهب المرء إلى سرير خنزير لا يعرف أسمه ولكن دعني أعترف لك لكي تكتب ذلك في دفترك المزري أيضاً، أن المرء لا يحتاج إلى معرفة أسم أحد لكي يتبادل معه الحب مقابل عشرة دولارات .. ذلك عمل لا يحتاج إلى أسم على الإطلاق ، أن المرء يغمض عينيه ويشد قامته وينطلق بجانب خنزيره إلى أي مكان ذلك ما يحدث بالضبط ثم يقبض المرء عشرة دولارات ويعود وحده في الحافلة ، أنني لم أشعر قط أنني في حاجة إلى أن أعرف أسم أحد من الرجال الذين أذهب معهم إلى بيوتهم ، ذلك ليس كذباً يا حضرة المحقق المضحك .. أنني لم أكن أهتم بمعرفتهم لأنني كنت مشغولة بالتعرف على نفسي ” .. ثم قالت سيلفا وهي تنظر من النافذة : كنت مجرد قردة ملونة ، أن المرء لا يستطيع أن يتصور ماذا يحدث في داخله عندما يكتشف ذات يوم أنه مجرد قردة ملونة .. ولكني رأيت ذلك بعيني رأسي في المرآة المقامة على مدخل البار في راسل ستريت ورأيت أن جاك براين الذي يقف بجانبي مجرد قرد ملون آخر . وكنت إذ ذاك فتاة بريئة مثل أختك بالضبط - إذا كنت تملك أختاً بريئة يا حضرة المحقق المضحك - وكنت أحب جاك براين وقد تعودت أن أذهب معه إلى غرفته وجعلني أمزق وجهه بأظافري ، وقد مزقت ياقة قميصه أيضاً ولعنته أمام سائق عربة الأجـرة وقلت له أنني فتـاة شريفـة وأنني لا أذهب مع أحـد إلى غرفته . ثم فقدت جاك براين إلى الأبد ، ورأيته في الأسبوع التالي بصحبة فتاة أخرى . كانت فتاة من شارعنا تذهب إلى غرفة أحد ما .. وكنت وحدي يا حضرة المحقق المضحك الفتاة الوحيدة في المنطقة بأسرها التي لا تحس بالعار لأنها ما تزال عذراء . ولكني في نهاية المطاف بدأت أحس بالوحدة ، أن ذلك يحدث بالذات ليلة الأحد عندما يذهب كل امرئ إلى المرقص ويختار مقعدة بجانب الحلقة وينتظر أول مخلوق يمد له يده وينقذه من وحدته . ولم يكن أحد من شباب المنطقة يمد لي يده . كانوا يعرفون جميعاً أنني لا أذهب إلى أي مكان أخر بعد الحفلة سوى بيتنا المضحك وكانوا لا يريدون أن يضيعوا وقتهم عبثاً في مطاردة راهبة مزرية في بار ملئ بالفتيات الحقيقيات أنت لا تستطيع أن تلومهم يا حضرة المحقق المضحك .. أليس كذلك ؟ أنك لا تستطيع أن تقف فوق مقعدك وتصرخ في البار مطالباً ( جاك براين ) بأن يدعوك إلى الرقص ويوصلك بعد ذلك إلى البيت دون أن يخطر بباله أن الفتاة مارجريتا التي سوف تذهب معه إلى غرفته قد تكون في الواقع أفضل قليلاً ، أنك لابد أن تكون عادلاً على الأقل وتعترف لنفسك بأنه ما دام جاك براين يحصل على بغيته حقاً فليس ثمة مفر من أن تتركه يحصل عليها . أجل ، لقد خطر ذلك ببالي ذات ليلة وخطر لي أيضاً أنني لا أملك فرصة أخرى لكي أتغلب على وحدتي سوى أن أذهب مع أحد ما إلى غرفته بعد حفلة الرقص ، ولكني لم أفعل ذلك ، لقد صمدت سنتين كاملتين وأنهيت دراستي ووجدت عملاً في إحدى شركات بيع الأراضي ثم وجدت شقة مفروشة أيضاً واكتشفت منذ أول ليلة أن الحياة مملة إلى حد لا يطاق . كنت لا أعرف أحداً في شارعنا ، وكنت قد بدأت أنزلق إلى حافة سن الثلاثين دون أن أعثر على فرصة واحدة لاكتساب رجل صديق ، وقد ظللت أذهب إلى المرقص كل ليلة أحد وظللت أتابع الموضة وأزور مصفف الشعر بانتظام وأفعل كل ما تقوله المجلات بخصوص أحمر الشفاه ، ولكن أحداً لم يمد لي يده لكي يدعوني إلى الرقص ، أجل كان بعض الرجال يطاردونني بين حين وآخر ، وكانوا أيضا

المزيد


عن نساء أمريكا … الصادق النيهوم

يونيو 19th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

العودة المحزنة الى البحر 005

مسز (كارمن) فتاة أمريكية من مواليد ولاية فرجينيا جاءت للبحث عن عمل في مدينة نيويورك واكتشفها المليونير (هـ .م.هيفنر) الذي يتولى إصدار مجلة بلاي بوي . وقد دعاها للعشاء معه ثم أخذها للرقص في إحدى حفلاته الخاصة ومنحها أسم (كارمن) بدل أسمها القديم الذي لا يستعمله أحد سوى مزارعي التبغ في فرجينيا .. وعندما انتهت الحفلة ذهبت المسز كارمن مع المليونير إلى بيته الريفي وقضت عطلة نهاية الأسبوع في صحبته.


ثم انتهى كل شئ في اليوم التالي ، وعادت المسز كارمن إلى غرفتها الصغيرة في إحدى عربات الأجرة . واكتشفت عبر عتمة الغرفة المملة أن الحلم المبهج الذي عاشته في صحبة المليونير كان في الواقع مجرد حلم من جميع الوجوه ، وأن المستر هيفنر المثير قد أختفي من حياتها إلى الأبد كعادته دائماً مع كل فتاة تقضي معه عطلة الأسبوع ، لولا أنه هذه المرة ترك وراءه هدية فظيعة تتحرك في أحشاء المسز كارمن التي جاءت من ولاية فرجينيا للبحث عن عمل في مدينة نيويورك . وأستولي الرعب على الفتاة الفلاحة ، وانطلقت تجرى إلى مكتب المستر هيفنر في مبنى مجلته الواسعة الانتشار ونقلت إليه النبأ وسط عاصفة من الدموع ، ولكن المليونير المجرب لم يزد على أن منحها ابتسامة صغيرة ثم أتصل بإحدى سكرتيراته وجعلها ترتب له ميعاداً عاجلاً مع أحد الأطباء الإجهاض . وتم ذلك كله في نفس اليوم وعادت المسز كارمن إلى غرفتها المتواضعة بدون ذلك الشيء الذي كان يتحرك في بطنها .. لقد كان الأمر غاية في البساطة .. وكان الناس في مدينة نيويورك يحلون مشاكلهم في يسر لا يصدق . وأجرت المسز كارمن بعد ذلك ثلاث عمليات إجهاض أخرى قبل أن ينتهي عامها الأول في نيويورك ، وعرفت خلال ذلك العام أربعة وسبعين رجلاً ذهبت معهم جميعاً إلى بيوتهم الريفية لقضاء عطلة الأسبوع ثم عرفت مائة وأثنين وعشرين رجلاً آخر خلال العام التالي . وكانت المسز كارمن تفعل ذلك لأنها كانت تعمل في فرع خاص لتصوير أفلام البورنوغرفي - وهي أفلام تقتصر على تصوير ما يحدث في السرير فقط وكانت تضطر إلى أن تنام مع أي رجل يحضره المخرج معه .. وفي ذات يوم أحضر المخرج معه رجلاً من ولاية فرجينيا ، وقد نامت معه المسز كارمن تحت أضواء الكاميرات الساطعة ثم دعته إلى غرفتها وقدمت له زجاجة من الويسكي واكتشفت خلال حديثه معها أنه في الواقـع أبن أختها ( جالد ) الذي نزح إلى نيويورك منذ خمس سنوات . ولكن المسز كارمن لم تقل له ذلك . لقد أخفت هذه الحقيقة المقززة مع بقية الحقائق الأخرى التي تحتفظ بها داخل رأسها المصاب بالدوار وقررت أن تواصل عملها وتواصل الصمود أمام تلك الظروف المعقدة مفرغة جهداً هائلاً لكي تحتفظ بقليل من صفاء عقلها . وقد فعلت ذلك بضع سنوات أخرى وعرفت مزيداً من الرجال ومارست مزيداً من الحب المقزز وسكرت بنهم … وصرخت ورفضت .. ومزقت ملابسها .. ثم وقع المقدور ذات يوم وانهارت المخلوقة البائسة تحت ضغط عالمها غير المعقول واكتشف أحد الحراس الليليين في محطة القطار جثتها الممزقة على القضبان بجانب حقيبتها الصغيرة التى تركت بداخلها رسالة تقول فيها ( .. أنا متعبة .. هذا كل ما في الأمر ، فلا تدعوا أحداً يثير ضجة حول مصرعي ) .. ولكن مصرع المسز كارمن أثار ضجة هائلة على أي حال . ولم ي

المزيد


العودة المحزنة إلى البحر 04… الصادق النيهوم

يونيو 12th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم


 

breakf

نعمة تقدمنا

الساعة السابعة صباحاً .. كل شئ ما يزال على ما يرام ، والحرب مع الصين لم تبدأ بعد رغم تنبؤات جميع الصحف والمستر ( جورج بوب ) يأخذ مكانه وراء مائدة الإفطار ويصفر لحن أغنيته المفضلة . هكذا كان يفعل كل يوم .. ويصفر لحن أغنيته المفضلة قبل أن يتناول إفطاره لكي يعرف بقية أفراد العائلة أنه ( في أحسن حالاته ) وإنه لا يريد شيئاً من العالم سوى أن يتركه ينعم بحياته السعيدة بين أطفاله الثلاثة وحديقة بيته وزوجته ( روث ) الفاتنة .. ولكن المستر ( جورج بوب ) في الواقع - كان يصفر رغم أنفه .. كان يعرف أنه لابد أن يفعل ذلك محافظة على ( روح المرح ) التي لابد أن تسود مائدة الإفطار في كل بيت في العالم يسكنه مواطن من الولايات المتحدة . أما من الداخل فقد كان المستر (جورج بوب ) في أسوأ حالاته ، وكان قد سمع لتوه أن السيدة زوجته تخونه مع المهندس العازب الذي يسكن في الدور السفلي ، وقد قال له المخبر السري الذي أطلقه وراء زوجته أن السيدة بدأت هذه اللعبة منذ شهر أبريل الماضي في نفس الليلة التي أقام خلالها المستر ( جورج بوب ) إحدى حفلاتـه ودعـا إليها جاره المهندس . وكان الخبر سخيفاً إلى حد لا يطاق .. وكانت السيدة ( روث ) تجلس عند مائدة الإفطار وتشع فتنة كعادتها . وقد راقبها ( جورج بوب ) من طرف عينه دون أن يتوقف عن الصفير ثم قال في ذات نفسه أن أسوأ ما يمكن أن يقع لأي إنسان في العالم لابد أن يتمثل في إرغامه على الصفير في الصباح بعد أن يسمع في الليلة السابقة أن السيدة زوجته قد أصبحت تخص رجلاً آخر . وقد قال جورج بوب ذلك للمرة الثانية عندما جلس وراء مكتبه الفخم في ( وول ستريت ) ثم قاله للمرة الثالثة فيما كانت سكرتيرته تضع أمامه جدول المقابلات ، وظل يردده طوال النهار . وعندما عاد في الساعة السادسة عرج على البار المجاور - لأول مرة منذ زواجه بالسيدة روث - وطلب كأساً من البراندي ثم طلب نصف زجاجة وخبط المائدة بقبضته وقال بصوت عال أنه يحس بشيء لزج في صدره ، وأن ذلك الشيء يحرقه ببشاعة إلى حد لا يحتمل .. وفي صباح اليوم التالي كان ( جورج بوب ) ما يزال يصفر لحن أغنيته المفضلة . وكان قد تذكر خلال الليل - فيما بدأت روث تتنفس بجانبه مثل ملاك كلي البراءة - أنه فعل من أجلها كل شيء بوسعه ، وحقق لها معظم أحلامها ، وأنه لم يفعل شيئاً واحداً تجاهها يستحق هذا العقاب البشع . ثم تذكر أيضاً بدايته معها ، وليالي الحب الطويلة التي أنفقاها معاً طوال شهر العسل في ولاية فلوريدا . ولكن المستر ( جورج بوب ) لم يتذكر تلك الليلة ما حدث بعد شهر العسل . لقد خطر له ذلك فجأة عندما جلس وراء مكتبه الفخم في ( وول ستريت ) . وتذكر في لحظة مشوبة بالشعور بالذنب أنه نسى روث كلية بمجرد أن عاد من رحلة شهر العسل ، وأن مشاغله الهائلة في حي المال طفقت تأخذ معظم وقته حتى اضطر في النهاية إلى الغياب عن البيت يومين في الأسبوع ، ثم اضطر للغياب أكثر من ذلك دون أن يستطيع فعل أي شيء حيال مشاغله الهائلة أو حيال ( روث ) التي كانت تجلس وحيدة معظم أيام الأسبوع في بيته العصري . وقد بذل كل ما وسعه لكي يجعل ذلك البيت عصرياً من جميع

المزيد


الرجل الأمريكي

يونيو 7th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

العودة المحزنة الى البحر … 003   الصادق النيهوم
dollar


مستر ( أتشوك ) عمره 44 سنة ولكنه ما يزال يبدو مثل تمثال برونزي متناسق البناء .. يملك بيتاً عصرياً في ضاحية ( سان فرناندو ) بمدينة لوس أنجيلوس مزود بحوض للسباحة وملعب للتنس .. ولديـه يخت شراعي في مرفأ ( مارينا دي رافي ) وزوجة شقراء وولدان وعربتان في جاراج البيت . والمستر أتشوك يعمل مهندساً في إحدى الشركات التي تقوم ببناء الأقمار الصناعية لحساب الجيش الأمريكي . عمل معقد ، أليس كذلك ؟ .. يستمر أحياناً حتى بعد منتصف الليل خصوصاً إذا حدثت صعوبات مفاجئة أمام الفريق الذي يرأسه مستر أتشوك في أحد أقسام تطوير الأجهزة الإلكترونية ، ولكنه يحب عمله على أي حال ويحب أن يحل مشاكله التكنولوجية التي تبدو بالنسبة له مجرد تحديات صغيرة لقدراته العلمية غير المحدودة ، ثم أنه - إلى جانب ذلك - يتقاضى راتباً معقولاً يصل إلى ستة وثلاثين ألف دولار في السنة .. مستر أتشوك - بكلمة واحدة - رجل أمريكي مثالي من جميع الوجوه .. وهو ينهض مبكراً كل يوم ويقفز في حوض السباحة المقام أمام البيت ويسبح عشرين دقيقة كاملة لكي يحافظ على لياقته البدنية ، إلى جانب مباريات الجولف في عطلة الأسبوع والتمرينات الخاصة التي يعذب بها نفسه في البدروم بين أدوات رفع الأثقال ورمي الجلة ونط الحبل .. والمستر أتشوك يفعل ذلك لأنه يعرف أن عليه أن يحافظ على لياقته البدنية إذا كان يريد أن يحتفظ بعمله . فالمدينة مليئة بالمهندسين صغار السن الذين يستطيعون أن يحلوا محله في أي وقت إذا رأت الشركة أنه لم يعد قادراً على القيام بأعباء عمله المرهق ، وميدان المنافسة بين الشركات في لوس أنجيلوس لا يسمح قط بمراعاة شئ آخر سوى تأدية العمل المطلوب بالكفاءة المطلوبة في الوقت المطلوب . ولكن المستر أتشوك ما يزال في حالة جيدة ، وما يزال قادراً على نط الحبل خمس دقائق كاملة بلا توقف ، وما يزال يحس بأن أحداً من المهندسين صغار السن الذين يعملون تحت قيادته لا يعرف عن الأقمار الصناعية أكثر منه ، رغم أن هؤلاء المهندسين - في الواقع - قد وصلوا حديثاً من الجامعة وتلقوا تدريباً أفضل كثيراً مما تلقي المستر أتشوك . على أي حال . لقد مضي كل شئ في طريقه المرسوم بضع سنوات متوالية . وأطلقت الولايات المتحدة مجموعة من سفن الفضاء التي شارك المستر أتشوك في صنعها مع مئات الألوف من المهندسين الآخرين ، وأستقبل العالم سفن الفضاء الأمريكية بالتصفيق والذهول ، وكتبت عنها الصحف في كل اللغات بالخطوط الحمراء .. ولكن أحداً لم يكتب شيئاً عن المستر أتشوك . حسناً .. لقد جاء ذلك الرجل الناجح إلى مقر عمله ذات يوم بعد أن سبح عشرين دقيقة كاملة في حوض السباحة الخاص ، واستدعاه مدير الشركة إلى مكتبة وقدم له كأساً من المارتيني ثم قال له بالحرف الواحد : ( أنا أعتقد أننا مضطرون للاستغناء عن خدماتك لأننا نزمع أن نعيد بناء الأقسام بطريقة أخرى وسوف ندمج فريقك للعمل مع فريق مشابه في قسم الأجهزة الإلكترونية .. أن علينا أن نضغط مصروفاتنا أمام الارتفاع المطرد في النفق

المزيد


العودة المحزنة الى البحر 002 …بقلم الصادق النيهوم

مايو 31st, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

121222

 


بداية الطريق

‏مرة أخرى - وبرغبة متعمدة في التكرار - ماذا تعني كلمة الكفاءة ؟ .. الإجابة المباشر أنها ( الهدف النهائي للحضارة) ، أي نقطة الانطلاق الذي لا يتوقف أبداً على طريق التطور . ولكن هذا اللغز نفسه في حاجة إلى شرح ، فالمرء لا يرى أصلاً ماذا تعني كلمة التطور . وأنا أختار هنا وسيلة المقارنة لتحديد هذه الكلمات المعقدة في تاريخنا المعاصر ، وأدعوكم إلى أن تضعوا كل شئ جانباً وتبحثوا برتابة عن ( الفرق ) الحقيقي بين إنسان القرن العشرين وبين أي فلاح مصري عاش في عصر الأهرام . الفرق بالطبع لابد أن يظهر بوضوح ، ولابد أن يلمسه المرء بأصابعه أيضاً إذا قرر مثلاً أن يختار قمة الحضارة في هذا القرن ويبدأ المقارنة بين الفلاح المصري مباشرة وبين أي مواطن أمريكي يعيش الآن في لوس أنجيلوس المضاءة بمصابيح النيون . والفرق هنا يعني بالضبط ( أربعين قرناً من التطور ) . أي أربعين قرناً من المحاولة الدائبة لزيادة ( الكفاءة ) البشرية . والمرء يستطيع بعد ذلك أن يلمس كل شئ بأصابعه . فالفلاح المصري كان يعمل بمحراث تجره الجاموسة والفلاح الأمريكي المعاصر يعمل الآن بمحراث تزيد قوته عن قوة جميع الجواميس التي عاشت في عصر خوفو بأسره . والفلاح المصري كان يرحل إلى ( طيبة ) لكي يدفع الضرائب راكباً حماره الرمادي ، والفلاح الأمريكي المعاصر يدفع ضرائبه الآن للعقل الإلكتروني الذي يقع في الطابق الأول من مبني ( الخزينة ) ، ويستطيع أيضاً أن يسافر إلى واشنطن لتقديم شكوى تخص ضرائبه ثم يعود في نفس اليوم رغم أن المسافة - في الواقع - قد تزيد على المسافة بين طيبة وبين قرية الفلاح المصري بنحو خمسة آلاف مرة . هذا بالطبع فرق هائل ، ولكنه - مع ذلك - ليس كل الفرق . فالفلاح المصري كان مصاباً بسوء التغذية ، وكان أطفاله يموتون في الغالب خلال العام الأول ، وكان يعيش في مغارة مبنية بالقش ويعمل أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم ويموت مثل بقية الحيوانات في مزرعة سيده . والفلاح الأمريكي ليس مصاباً بسوء التغذية ، بل أنه - في الواقع - يزيد في حجمه عن أي فلاح آخر في التاريخ ، وهو يظفر برعاية طبية كاملة ويعيش في بيت صحي مزود بجهاز التدفئة ، ويذهب لقضاء أجازته السنوية في جزر الكناري ويستطيع أن يجعل رئيس الجمهورية يفقد مقعدة إذا أكتشف أنه لم يعد يرغب في بقائه . الفلاح الأمريكي ( يتقدم ) عن الفلاح المصري الذي عاش في عصر الأهرام بمسافة تزيد عن أربعين قرناً . هذا موجز القصة بأسرها . وهذا أيضاً ما ندعوه نحن بكلمة غامضة واحدة ( التطور ) . فأين حدث (التطور) على وجه الضبط ؟ ..

في المحراث ؟ ..

في الحمار الرمادي ؟ ..

في جهاز التدفئة ؟ ..

في السكة الحديد ؟ ..

في قوانين التأمين وسحب الثقة من رئيس الجمهورية ؟ ..

في الجرائد اليومية ؟ ..

الإجابة المتوقعة أنه حدث في كل شئ .. ولكن تلك الإجابة ليست على أي حال صحيحة تماماً . والخطأ الذي تحمله كلف الإنسان كل ما يعانيه الآن في جنته الوهمية . أن التطور حدث حقاً في كل شئ ما عدا ( جهة ) واحدة واضحة المعالم ظلت دائماً كما هي ، وظلت بدون تغيير من أي نوع . هذه الجهة تكمن في الداخل في صدر الفلاح المصري والأمريكي معاً ، وفي صدر كل إنسان آخر ضمته الحضارات المادية . أنها بالضبط (الرغبة ذاتها في تحقيق التطور) ، فالفلاح المصري أيضاً كان يبحث عن محراث أكثر ( كفاءة ) ، وعن منجل أسرع في تأدية خدمة الحصاد ، وعن أي شئ يستطيع أن يضيفه إلى رصيده من ( المواد ) التي تزيد كفاءته . وهذه - في الواقع - نفس الرغبة التي دفعت الفلاح الأمريكي إلى اختراع محراثه الحديث واختراع الطائرة والعقل الإلكتروني . والتطور يحدث بالطبع في كل شئ يريد الإنسان أن يزيد كفاءته ، ولكنه لا يحدث في نوع هذه الإرادة أبداً إلا في ظروف نادرة . والقول بأن (التطور) يحدث في كل شئ يدعو إلى تجاهل هذه الحقيقة بطريقة لا تغتفر ، ويجعل المرء يحس بأن ثمة أكذوبة هائلة في تاريخ هذا العالم تنمو بداخله في اطراد لكي تعمل على تدميره في نهاية المطاف إذا عجز من أتلافها في الوقت المناسب … ذلك الإحساس العميق الغور الذي ما فتئ الإنسان يواجهه برهبة منذ أن بدأ يعلق التعاويذ السحرية داخل كهـفه البـدائي لطرد ( الشيطان ) إلى أن بدأ محاولته المعاصرة المتسمة باليأس التي تمثلت في إقامة مبني الأمم المتحدة لتأدية نفس الهدف تقريباً . أننا نحس بمصادر الشر في العالم . هذا واضح في كل المجتمعات المتطورة والبدائية على السواء . ونحس بأن علينا أن نتجنب الوقوع في تلك المصادر بطريقة أو بأخرى . والشعوب البدائية تعلق التعاويذ السحرية لتحقيق هذه الغاية ، والشعوب غير البدائية تعمل بالأرقام لرفع مستوى الحياة وزيادة فرص التعليم لنفس الغاية أيضاً ، ولكنها جميعاً تحس بوجود (الشر) وتحس بأنه

المزيد


العودة المحزنة الى البحر 001 الصادق النيهوم

مايو 29th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

capita278nei


السؤال المسطح الذي يلهث العالم وراء إجابته طوله في الواقع أربع كلمات = (ماذا يحدث لحضارة أمريكا ؟ ) .. والمرء يتصور بالطبع إن ذلك يخص الأمريكيين وحدهم ، وأن الإجابة الصحيحة لابد أن تصل من الداخل ، ولكن أمريكا أيضا لا تعرف إجابة محددة .. إنها تعاني مرضاً غامضاً مميتاً بعيد الغور يستطيع المرء أن يسمعه يتنفس في كل المدن المنسقة الشوارع ، ولكنه لا يستطيع أن يعرف كنهه قط . مرض يشبه رائحة جثة غير مرئية تتعفن في مكان ما من ذلك العالم المترامي الأطراف ، ولا يعرف أحد مكانها بالضبط . وحضارة أمريكا تجربة فريدة في تاريخ العالم المادي . أنها قمة المحاولة التي بدأت منذ بضعة آلاف من السنين لحل مشاكل الإنسان المادية بزيادة الإنتاج وتحسين الصنف وهي أيضاً نقطة النهاية التي وصلت إليها الأحلام الإنسانية القديمة بتوفير أكبر قدر من ( الحرية ) داخل أكبر قدر من فرص النظام (الديمقراطي) لتحقيق الغايات النهائية للرخاء . فليس ثمة شعب آخر - في تاريخ العالم بأسره - بنى حضارة متكاملة نظرياً كما فعل الشعب الأمريكي وليس ثمة شعب أيضاً حقق أسطورة (الكفاءة ) المادية كما تتحقق الآن في الآلة الفولاذية المجنونة التي تدور بلا توقف في مدن الولايات المتحدة . أن ( الكفاءة ) كانت الهدف الحقيقي لكل الحضارات منذ أن أكتشف الإنسان - في إحدى لحظاته المشحونة باليأس - أنه لا يستطيع أن ينال حاجته من الغذاء باصطياد الأرنب البري إلا إذا تعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من ذلك الأرنب . وقد بدأ الإنسان فاخترع السهم ، واصطاد به أرنباً برياً . و اكتشف إذ ذاك أن السهم يستطيع أن ينطلق بسرعة أكثر ، ويضرب بدقة أكثر ، وأن بوسعه أن يقف في مكانه ويتركه ينطلق وراء الصيد دون أن يكلف نفسه مشقة الجري . وصنع الإنسان كثيراً من السهام ، وتعلم كيف يصبح أكثر ( كفاءة ) من الحيوانات البرية التي لا تعرف كيف تزيد كفاءتـها عن الحد الطبيعي ، ولكـن الإنسـان تـورط أيـضاً في صراع غـير متوقـع مع بقية الصيادين . فجودة السلاح تعني وفرة الطعام ، ووفرة الطعام تعني زيادة مطردة في النسل ، وقد تزايد هذا الجنس الكفء وطفق يزحم معظم المناطق حتى أصبح السهم سلاحاً قديماً مفتقراً إلى الكفاءة التي يتطلبها صراع المنافسة .. وصنع الإنسان بندقية . وصنع أشياء كثيرة أخرى .. وظل طوال تاريخه الحضاري يجـري بـلا توقـف وراء تحقيق مزيد من (الكفاءة) في كل اتجاه عبر تلك اللعبة القديمة المشحونة بالأشعار والفلسفة التي تدعي (بالتطور) . وأنا أريد أن ألفت النظر هنا إلى أن كلمة الكفاءة معناها في الواقع زيادة القدرات المادية وحدها ، وهي منحة لا يتميز بها سوى الإنسان العاقل ،

المزيد


شريعة الراعي بلغة الخروف

مايو 20th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

  الصادق النيهوم
schizo

أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة، هي أن يلبس جبة الدين، ويطالب الدولة بتطبيق قوانين الشريعة. لكن مشكلة هذا الطريق القصير، أن قوانين الشريعة بالذات، لا تطبقها الدولة بل يطبقها المواطن. فإذا مرّت المغالطة، ونجحت الأحزاب الدينية في مسعاها، وتمّ تطبيق قوانين الشريعة في دول الوطن العربي، حتى صار لكل حكومة بوابة رسمية على الجنة، فإن المواطن العربي شخصياً، سوف لن يشارك في هذا العرس، ولن يؤدي فيه دوراً نافعاً، سوى أن يحمل الطبل والحطب. إنه لا يستطيع أن يطبق الشريعة حتى بمعونة من فقهاء الحزب. فالمشكلة من أساسها، ان المجتمع العربي نفسه، مجتمع غير شرعي، خلقته مؤسسات اقطاعية معادية لمعظم مبادىء الإسلام، من مبدأ المساواة والشورى، إلى مبدأ تحريم الحكم الفردي، وضمان حرية الحوار والقضاء. وقد تأسس على نظرية تحكيم القوة، والتعصب الطائفي، وتقديس الخرافة، وتحول منذ عصر الحجاج إلى مجتمع من الصيادين، قائم برمته على شريعة (اصطياد الفرص). وإذا شاءت الأحزاب الدينية أن تطبق قوانين الشريعة في مثل هذا المجتمع المعقد، فإن المواطن العربي نفسه، سوف يكون آخر من يسمع. فهذا مواطن لا يعيش في كتب الفقه، بل يمارس تجربة الحياة في مجتمعه عملياً، ويعرف أنه مجتمع شريعته تحكيم القوة، وليس تحكيم الله، وأن ما يقوله رجال الدين بالذات، مجرد كلام في غياب الكلام. وهي رؤية يائسة _وغير دينية_ لكنها أيضاً رؤية مشروعة، لأنها مستمدة من قراءة الواقع، وقادرة على التعامل معه بنجاح. إن النص الشرعي يستطيع أن يقول ما يشاء على الورق، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع اقطاعي، يملك تحت تصرفه شريعة عملية أخرى. فالدين يحرم الرشوة، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع اقطاعي، لابد من أن يرشو كل موظف يقابله، بكل عملة مقبولة في السوق. لأن الخدمات العامة في مثل هذا المجتمع، ليست حقاً دستورياً للمواطن، بل فرصةعليه أن يصطادها بصنارة. فإذا كان الصيد حوتاً كبيراً مثل استخراج رخصة للمقاولات الأهلية، يكون الطعم نقوداً وهدايا وعقود زواج وخدمات خاصة. أما إذا كان الصيد مجرد سمكة صغيرة مثل استخراج شهادة ميلاد، فإن الوصفة الشعبية تحتم أن يرقص المواطن حاجبيه، ويقول للموظف محيياً: (صباح الخير يا عسل). والدين يحرم ارتزاق المرأة بجسدها، لكن المرأة المحجبة التي تمنعها شريعة الاقطاع من فرصة التأهيل المهني، لا تستطيع ان تكسب عيشها دائماً بالحلال. إنها تتزوجعلى سنة الله ورسوله، لكن شريعة هذا الزواج الناجم عن العجز والبطالة، أمر يصعب اثباته شرعياً. والدين يحرم السرقة، لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة اقطاعية، لا يستطيع أن يذهب وراء الدَين إلى حتفه. فالملكية تحت هذه السلطة ليست حقاً شرعياً للمواطن، بل غنيمة، عليه أن يكسبها في غارة عسكرية. وهو شرط لا يوفي به المواطن الأعزل إلا إذا تعلم فن القتال الليلي، وأتقن التسلل من وراء ظهر القانون. إنه لا يستطيع أن يملك شيئاً بالحلال، في مجتمع مسروق برمته. والدين يحرم القتل، ويتوعد القاتل بالخلود في النار، لكن المواطن المجند لحراسة رجل اقطاعي، لا يعرف كيف يطيع هذا الدين، من دون أن يخالف ديناً آخر. إنه لا بد من أن يحمل سلاحه ذات يوم، لكي يدافع عن سيده ضد الجياع والمظلومين بالذات. وهي مسيرة افتتحها الاقطاع في تاريخ المسلمين، بإبادة أسرة النبي شخصياً، وقصف بيت الله بالمنجنيق. والدين يحرم الكذب، ويهدد الكذابين بقطع ألسنتهم. لكن رجل الاعلامالذي يعمل في خدمة نظام اقطاعي، لا يستطيع أن يكفّ عن نشر الأكاذيب، حتى إذا كان أخرس. إنه ملزم بتسويق بضاعة بدائية فاسدة، وملزم بمخاطبة زبائن غاضبين لا يريدون الشراء. وفي ظروف تجارية من هذا النوع، يبيح رجل الاعلام لنفسه أن يتكلم لغة الحواة، ويعتبر خداع الزبون شطارة، ويسمي الكذب سياسة اعلامية، بغض النظر عما سماه الله. والدين يحرم حكم الطاغية، ويسمي الطاغية نفسه باسم (فرعون). لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة فرعون شخصياً، لا يستطيع أن يردد هذا اللقب، حتى في منشور سري. إنه يعرف لغة الواقع، ويعرف أن الطاغية اسمه (صاحب السعادة)، ويهنئه بعيد ميلاده سنوياً، في إعلانات ملونة على صفحتين. والدين يحرم أكل السحت، ويعتبر تبذير أموال الناس، جريمة عقابها الحرق بالنار. لكن الحاكم الاقطاعي لا يستطيع أن يتوقف عن أكل السحت، إلا إذا كان الدين يريده أن يموت من الجوع. فهذا رجل شبه معوق، لا يجيد حرفة مفيدة، ولا يصبر على مشقة العمل، يحتاج يومياً إلى ثروات طائلة، لدفع نفقات حراسه، وتغطية طلبات مساعديه، وشراء مديح الشعراء الذين تزايدت أسعارهم عصراً بعد عصر. إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة في مجتمع غير شرعي، مثل مجتمعنا العربي الحالي، فكرة تعوزها روح العلم والورع معاً. لأنها مجرد شعار حزبي، مفصّل على مقاس حزب سياسي، يريد أن يكسب معركة السياسة بسلاح الدين. فالواقع أن الشرع الإسلامي، لا يمكن تطويعه لخدمة أغراض الاقطاع، لأنه لا يعيش معزولاً في صوامع رجال الدين، بل يعيش بين الناس، في كتاب بلغتهم العربية، يخاطبهم مباشرة من دون مترجمين، ويقول لهم كل يوم إن أول شرط لتطبيق الشريعة، هو إنهاء مجتمع الاقطاع. وفي وجه هذا المنشور السماوي، لا يملك الاقطاعيون وحلفاؤهم حلاً، سوى أن يجلسوا في انتظار القارعة. المواطن العربي يملك نسخة من القاموس الأصلي، ويعرف أن تطبيق الشريعة، يحتاج أولاً إلى مجتمع شرعي، وأن الناس الذين يعيشون تحت سلطة فرعونية، لا يملكون مثل هذا المجتمع، وليس بوسعهم أن يطبقوا فيه شريعة أخرى سوى شريعة فرعون.
فالقانو

المزيد


الصادق النيهوم

مايو 15th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , كتابات الصادق النيهوم

neihum

ولد الصادق النيهوم في مدينة بنغازي عام 1937. درس جميع مراحل التعليم بها إلي أن انتقل إلي الجامعة الليبية ،وتحديدا بكلية الآداب والتربية - قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1961 وكان ينشر المقالات في جريدة بنغازي بين عامي 1958-1959 ومن ثم عُين معيداً في كلية الآداب .أعدَّ أطروحة الدكتوراه في الأديان المقارنة بإشراف الدكتورة بنت الشاطيء جامعة القاهرة، ، إلاَّ أن الجامعة ردَّت الأطروحة بحجّة أنها معادية للإسلام وانتقل بعدها إلى ألمانيا ، وأتم أطروحته في جامعة ميونيخ بإشراف

مجموعة من المستشرقين الألمان ، ونال الدكتوراه بامتياز. تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عامين .درَّس مادة ( الأديان المقارنة ) كأستاذ مساعد بقسم الدراسات الشرقية بجامعة هلنسكي بفنلندا من عام 1968 إلى 1972.يجيد، إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنجليزية والفرنسية والعبرية والآرامية المنقرضةتزوج عام 1966 من زوجته الأولى الفنلندية ورُزق منها بولده كريم وابنته أمينة، وكان وقتها مستقراً في هلسنكي عاصمة فنلندا، انتقل إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وتزوج للمرة الثانية من السيدة ( أوديت حنا ) الفلسطينية الأصل.توفي في جنيف يوم 15 نوفمبر 1994 ودُفن بمسقط رأسه مدينة بنغازي يوم 20 نوفمبر 1994.كتب لصحيفة الحقبقة الليبية حينها، نشر أول مقالاته (هذه تجربتي أنا) مع بداية الصدور اليومي لصحيفة الحقيقة كما نشر بها :

- الكلمة والصورة

- الحديث عن المرأة

- عاشق من أفريقيا

- دراسة لديوان شعر محمد الفيتوري

نشر سنة 1967 مجموعة دراسات منها (الذي ياتي والذي لا يأتي) و (الرمز في القرآن)، وأصبح في هذة الفترة يمثل ظاهرة أدبية غير مسبوقة، وأخذ يثير اهتمام القراء ، وكانت أطروحاته وأفكاره تتضمن أسلوباً مميزاً يشهد له الجميع بالحيوية والانطلاق،

وفي عام 1969 كتب دراسة (العودة المحزنة للبحر)، ونشر عدد من قصص الأطفال، وأهداها إلي طفله كريم، ونشر عام 1970 رواية (من مكة إلي هنا)، وفي 1973 صدر له كتاب (فرسان بلا معركة) و(تحية طيبة وبعد)، وأقام من 1974 إلي 1975 في بيروت، وكتب أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، وأشرف على اصدارموسوعة (عالمنا -صحراؤنا -أطفالنا - وطننا - عالمنا)، ومن ثم صدرت رواية (القرود).

انتقل إلي الإقامة في جنيف عام 1976 وأسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها( موسوعة تاريخنا - موسوعة بهجة المعرفة)، وعمل بجامعة جينيف أستاذاً محاضراً في الأديان المقارن حتى وفاته.

عام 1986 صدرت له رواية (الحيوانات)، وفي 1987 صدر له كتاب (صوت الناس)، وعام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأول منها في لندن. استمر بالكتابة بها إلي أن وافته المنية في عام 1994، صدر له كتاب (محنة ثقافة مزورة) عن دار نجيب الريس في لبنان عام 1991 ساهم في الكتابة في مجلة (لا) الليبية، كما صدر له كتاب (الإسلام في الأسر) عن دار نجيب الريس بلبنان، كذلك وفي نفس الدار صدر له كتاب ( إسلام ضد الإسلام). وفي عام 2001 صدر عن دار تالة الليبية كتاب (طرق مغطاة بالثلج). توفي الصادق النيهوم بمدينة جينيف السويسرية عام 1994

عُرِفَ الكاتب الليبي الصادق النيهوم بجرأته وقراءاته الفذة للمجتمع والدين. يقول، مثلاً، في تحية طيبة وبعد: [...] وقد تعلَّمتُ أن أؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. وتعلَّمتُ أن أطوي هذا الإيمان في صدري وأتركه يقودني في طريق الغربة. وقد قادني بنفسه إلى هذا الحد. وعلَّمَني أن أكفر بمهنة الفقيه. فإذا جاء العيد، وانطلقتْ دعواتُكم المضحكة عبر كلِّ السموات، فأنا أراكم من الداخل وأكفر بكم.
أو قوله كذلك
(في مقطع من رواية من مكة إلى هنا):الفقهاء أعداء الصيادين. إنني أستغفر الله إذا كان ذلك ذنبًا حقيقيًّا. ولكن الفقيه [الذي] يقول لك إن سلاحف البحر حوريات مسحورة، لا بدَّ أنه يناصبك العداء. أجل، أنا عبد جاهل، لا يجوز أن يخوض في أقوال العلماء. لكن السلحفاة ليست حورية مسحورة، إنما مجرد فكرونة كبيرة الحجم وقبيحة إلى حدٍّ لا يطاق. وقد قتلت منها بنفسي ما يربو على المائة دون أن يسخطني الله بحجر.
وفي
فرسان بلا معركة نقرأ كلماته الحادة:
المرأة في بلادنا لم تشارك في هندسة مجتمعنا، لم تشارك يفي تقييم أخلاقياته، لم توافق على مزاعمنا القائلة بأن شرف البنت مثل عود الكبريت وشرف الرجل من ولاعة
الرونسون. لا تعتقد أن ثمة فرقًا بين هفوة الرجل وبين هفوة المرأة، ولا تؤمن بأن أخاها يستحق أن يمتاز عنها بمقدار عقلة إصبع بمجرد أنه يملك بعض الشعر في لحيته. لا نريد مجتمعًا يوزِّع امتيازاته بين أفراده طبقًا لطول الشنب!
وبالعودة إلى
تحية طيبة وبعد نقرأ كذلك ملاحظات النيهوم الدقيقة والحادة والذكية، إذ يقول:
إن النقطة الهامة التي أشير إليها هنا للمرة الثانية تتمثل في اعتبار الجهل نقيضًا للصحة العقلية وليس للمعرفة
. فالجاهل ليس دماغًا أبيض ممسوحًا، لا يضم في داخله سوى الفراغ، بل دماغ مليء حتى حافته بأشكال خاصة من المعارف الخاطئة [...].
حدة النيهوم تُلازِمُها، في معظم الأحيان، دعابةٌ ساخرة
. وفكرتُه هذه جعلتني أتنبَّه إلى اعتقادي الخاطئ حتى اليوم؛ إذ كنت أعتبر دماغ الجاهل فارغًا، بل أراه أملس. ولا خصلته غاية في الصحة، تضاف إلى ملاحظات أخرى. فنقرأه، مثلاً، في حوار أجراه معه إبرهيم الكوني في طرق مغطاة بالثلج:
ماذا تعني عملية الخلق الفني بالنسبة إليك إذن؟
(سؤال الكوني)

إنها العمل داخل إطار الفكر بوسيلة الكلمات

المزيد