سبتمبر 22nd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر,
كسونى واعطونى نقوداً ، النقود كى أبدأ بها ، أعرف ذلك ، وإذا انتهت فلابد من الحصول على غيرها ، إذا أردت أن أستمر ، الشيء نفسه بالنسبة للحذاء ، فحينما يتمزق يجب أن أصلحه أو أستبدله أوأسير حافياً ، إذا أردت أن أستمر ، ينطبق هذا أيضاً على السترة والبنطلون ، و غنى عن القول ، إنى أستطيع العيش بدون السترة إذا أردت ، الملابس : من حذاء وجوارب وقميص و سترة ، لم تكن جديدة ، لكن الميت كان يقاربنى فى الحجم ، يمكننى القول إنّه كان أقصر قليلاً ، أنحف قليلاً ، لأن الملابس لم تناسبنى تماماً فى البداية ، كما أضحت فى النهاية ، خاصة القميص ، فقد مرت أيام عدة قبل أن أتمكن من زرّه عند الرقبة ، أو الإستفادة من الياقة التى تناسبه ، أو شبك طرفيه القريبين من ساقى بالطريقة التى علمتها لى أمى
لابد أنه ارتدى ملابس الأحد للذهاب إلى غرفة الفحص ، ربما للمرة الأولى ، ثم لم يستطع احتمالها بعد ذلك ، فليكن ، كانت القبعة مستديرة سوداء وفى حالة جيدة ، قلت لهم احتفظوا بقبعتكم وأعطونى قبعتى ، وأضفت أعيدوا لى البالطو ، أجابوا أنهم قد احرقوهما مع كل ملابسى الأخرى ، أدركت أن النهاية قريبة على الأقل إلى حد ما
فى فترة لاحقة ، حاولت استبدال هذه القبعة بكاب أو ببرنيطة لها حافة يمكن أن أسدلها على وجهى ، لكنى لم أفلح ، ومع ذلك لبستها لأنى لا أستطيع التجول عارى الرأس بالحالة التى تبدو عليها جمجمتى . كانت فى البداية حقيرة على رأسى ، ثم اعتادتنى ، أعطونى ربطة عنق بعد نقاش طويل ، بدت لى جميلة ، وحينما أتوا بها أخيراً ، لم تعجبنى ، كنت تعباً فلم أرفضها ، وقد أضحت ذات فائدة فى النهاية ، كانت زرقاء بنقوش من نجوم صغيرة
لم أشعر أنى بصحة جيدة ، لكنهم أخبرونى أنى بصحة تسمح لى بالمغادرة ، لم يوضحوا أن صحتى جيدة كما يجب أن تكون ، لكن ذلك كان مضمون كلامهم
استلقيت كسلان على السرير ، واحتاج الأمر إلى ثلاث نساء ليلبسننى السروال ، لم يبد عليهن أى اهتمام بأعضائى الخاصة ، التى - وأقول الحق – ليس فيها ما يستحق أن يشار إليه ، فأنا نفسى لم أهتم بها كثيراً ، لكن كان يجب أن تكون هناك ملاحظة ما ، حين انتهيت ، نهضت وأكملت ارتداء ملابسى بلا عون ، أخبرننى أن أجلس على السرير وأنتظر ، ، كل ما كان يغطى السرير قد اختفى ، وقد أغضبنى أنهن لم يتركننى أنتظر فى سريرى المألوف بدلاً من أن أقف فى البرد بهذه الملابس (المكبرتة) قلت : كان يجب تركى فى السرير حتى اللحظة الأخيرة ، جاء رجال بملابس بيضاء ، بأيديهم مدقات خشبية ، فككوا السرير وحملوا أجزاءه ، تبعتهم إحدى النسوة ، وعادت بكرسى وضعته أمامى ، لقد أحسنت إذ تظاهرت بالغضب ، ولأبين لهم بوضوح تام مقدار هذا الغضب ضربت الكرسى بركلة طيّرته ، دخل رجل أشار لى أن أتبعه ، فى الصالة أعطانى ورقة لأوقعها ، قلت ما هذه ؟ تصريح مرور؟ قال إيصال بالملابس والنقود التى تسلمتها ، قلت : أى نقود ؟ ساعتها سلمنى النقود ، أتصدق كدت أغادر دون بنس واحد فى جيبى ، المبلغ ليس كبيراً إذا قورن بمبالغ أخرى، ولكنه بدا لى كبيراً ، ودعت الأشياء المألوفة بنظرى ، رفقاء ساعات طويلة محتملة ، الكرسى بلا ظهر مثلاً ، أعز الأشياء ، أوقات بعد الظهر الطويلة معاً ، فى انتظار حلول موعد النوم ، أحياناً كنت أشعر أن حياته الخشبية تغزونى حتى أغدو كقطعة خشب قديمة ، لقد كان فيه حتى مكان لدملى ، ثم هناك لوح النافذة الزجاجى برقعته المغبشة حيث اعتدت أن ألصق عينى فى أوقات الضيق ، ونادراً بلا نتيجة ، قلت : أنا مدين لكم بشدة ، هل هناك قانون يمنعكم من طردى عارياً ومفلساً ؟ أجاب : ذلك سيدمر سمعتنا على المدى الطويل ، قلت : ألا يستطيعون إبقائى فترة أطول قليلاً؟ يمكننى أن أكون مفيداً ، قال : مفيد! دع المزاح جانباً ، أيمكنك حقاً أن تكون مفيداً ! وأضاف بعد لحظة : لو أيقنوا أنك ستكون مفيداً لأبقوك . أنا على ثقة من ذلك ؛ لن أبدأ ذلك ثانية ، كم أشعر بالضعف ، قلت : ربما يوافقون أن يستعيدوا النقود ويبقونى فترة أطول ، قال : هذه مؤسسة خيرية والنقود هبة تأخذها حين تغادر وإذا انتهت فعليك أن تتدبر أمرك للحصول على المزيد إذا أردت أن تحيا ، لا تعد إلى هنا أبداً ، ومهما فعلت فلن يسمح لك بالدخول ، ثم لا تذهب إلى أى فرع آخر فسيطردونك ، صحت مبرطماً ، قال : لست عجوزاً لدرجة كبيرة ، قلت : هل يمكننى أن أنتظر حتى يتوقف المطر ؟ قال : يمكنك أن تنتظر فى الرواق ، المطر سيستمر طوال اليوم ، يمكنك الإنتظار حتى السادسة مساء ، ستسمع الجرس ، إذا اعترضك أحد فقل فقط إنك معك تصريح بإتقاء المطر فى الرواقى ، قلت : ما الإسم الذى أقوله ، قال : وير
لم يمض وقت طويل وأنا فى الرواق حتى توقف المطر وسطعت الشمس، كانت منخفضة وخمنت أنها داخلة على السادسة واضعاً الفصول فى الإعتبار ، مكثت هناك متطلعاً عبر المدخل المقنطر إلى الشمس وهى تختفى ، برز لى رجل وسألنى ماذا أفعل ؟ وماذا أريد ؟ أجبت بلطف شديد : إن مستر وير سمح لى بالبقاء حتى الساعة السادسة ، ابتعد ، لكنه عاد لتوه ، لابد أنه تحدث مع مستر وير لأنه قال : لا تتسكع فى الرواق فالمطر قد توقف
شققت طريقى عبر الحديقة ، كان هناك ذلك الضوء الغريب الذى ينهى يوماً من مطر متواصل ، حيث تظهر الشمس وتصفو السماء فى وقت متأخر دون فائدة ، الأرض تصدر أصواتاً كالتأوهات ، وآخر القطرات تتساقط من السماء الصافية الفارغة ، ولد صغير يمد يديه إلى السماء ويسأل والدته كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا ؟ تذكرت فجأة أنى نسيت أن أطلب من مستر وير قطعة خبز ، كان بالتأكيد سيعطينيها ، فكرت بذلك بالفعل أثناء نقاشنا فى الصالة ، قلت لنفسى لنُنه حديثنا أولاً ثم أطلب منه بعد ذلك ، كنت متأكداً أنهم لن يبقونى ، كان يسعدنى أن أعود ، لكنى كنت أخاف أن يوقفنى الحراس ويخبرونى أنى لن أستطيع رؤية مستر وير ثانية ، وذلك سيضاعف أحزانى ، وعلى كل حال ، فهل فى مثل هذه الظروف أنا لا أرجع أبداً
فى الشارع تهت . لم أخطُ فى هذا الجزء من المدينة منذ وقت طويل ، وبدا لى أنه تغير كثيراً ، مبان كاملة اختفت ، الأسيجة تبدلت مواقعها ، وفى كل ناحية أسماء تجار بحروف كبيرة لم أرها من قبل ، تلعثمت فى نطقها ، شوارع لا أذكرها وبعض ما أذكره قد تلاشى ، وأخرى تغيرت أسماؤها تماماً ، إحساسى العام كان هو نفسه ، حقيقة لم أعرف المدينة جيداً ، إنها مدينة أخرى مختلفة
لم أعرف أين يُفترض أن أذهب ، كان حظى كبيراً أكثر من مرة فى ألا تدوسنى العربات ، شكلى مازال يبعث فى الناس الضحك ، تلك الضحكة القلبية المرحة المفيدة للصحة ، سرت ، محافظاً أن يكون ذلك الجزء الأحمر من السماء على عينى قدر إمكانى ، فوصلت النهر ، هنا بدا لى للنظرة الأولى أن كل شيء كما تركته ، ولكن بتدقيق النظر تجد بلا شك تغيرات كثيرة ، وقد قمت بهذا بعد ذلك ، لكن المنظر العام للنهر بتدفقه بين ضفتيه وتحت قناطره ، لم يتغير ، نعم ، مازال النهر يعطى انطباعاً بأنه يتدفق فى الإتجاه الخاطئ ، حزمة من الأوهام تنتابنى ، مقعدى مازال هناك ، تشكل ليناسب انحناءات الجسد ، يقع بجانب حوض مياه ، هدية من مسز ماكسويل إلى خيول المدينة ، كما هو موضح عليه ، عدة أحصنة استفادت من الأثر ، أثناء فترات الإستراحة القصيرة التى قضيتها هناك ، كنت أسمع الحدوات الحديدية تقترب ، وصلصلة عدة الحصان ، ثم الصمت ، ذلك لأن الحصان ينظر إلىّ ، ثم صوت الشرب ، ثم الصمت ثانية ، حتى يرتوى الحصان أو يعتقد الحوذى أنه ارتوى . الخيل فى طبعها القلق ، ذات مرة حين توقفت الضجة ، التفت فوجدت الحصان ينظر نحوى ، والحوذى ايضاً ، لا شك أن مسز ماكسويل ستسعد لو رأت حوضها يقدم هذه الخدمات للمدينة
حينما حل الليل ، بعد شفق ممل ، خلعت قبعتى التى كانت تؤلمنى ، تشوقت أن يضمنى مكان خال ، حميمى ودافئ ، مضاء صناعياً ، أختار له م
سبتمبر 7th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر,

لم يحل المعنى الحالي لكلمة الفن في التداول اللغوي الا في منتصف القرن الثامن عشر، وفي ماقبل ذلك كان الفن يرتبط بمعناه العام ذي الجذور اللاتينية ( ars ) التي تشير الى المهارة ولاسيما المهارة الِحرفية والمهنية. ورغم الجدل المستمر حول معنى الفن الذي احتدم وتشعب للحد الذي اصبح فيه الاتفاق على معنى واحد متعذرا، بخاصة خلال القرن الاخير، فأن التعريف الاكاديمي التطبيقي لايزال يعتمد الانتاج والمهارة الحرفية المتطلبة فيه كمركز للثقل في صياغة التعريف الرسمي. تعرّف الموسوعة البريطانية الفن على انه استخدام التصور والمهارة لخلق نتاجات جمالية او صياغة تجارب شعورية او تهيئة مناخات تتميّز بحس جمالي. وتعرفه موسوعة اينكارتا بانه نتاج النشاط البشري الابداعي الذي يستخدم الوسائل المادية وغير المادية للتعبير عن الافكار والعواطف والمشاعر الانسانية. واذا كانت هذه التعريفات مستوفية للشروط التكنيكية فانها، وكثير مثلها، لم تستطع انهاء الجدل حول فحوى الفن، الامر العويص الذي قد يجر السائل المتفحص الى عشرات الاسئلة من قبيل: مالذي يقرر حجم استخدام او شرعية تلك المهارات او حدها الادنى المطلوب او مدى انطباق مواصفاتها على النتاج المأمول ؟ والأعقد من هذا، مالذي يقرر ان ذلك النتاج فني أم لا ؟ هل هناك مواصفات او شروط محددة ينبغي على النتاج الفني استيفاؤها من اجل ان يصبح نتاجا فنيا ابداعيا؟ وماهي طبيعة الدور الذي يلعباه الزمان والمكان في التأثير على فنية النتاج ومدى ابداعيته؟ ومن ذا الذي يحكم بان ذلك النتاج فنيٌ ام لا؟ وهل هذه المهمة مناطة بالفنان ام بالمتلقي؟ وهل ثمة دور او مسؤولية في هذا الحكم تناط لطرف ثالث قد يتمثل بمقاولي وممولي النشاطات الفنية او النقاد المحترفين والصحفيين والسياسيين والمؤرخين والنفسانيين وعلماء الاجتماع واختصاصيي نشأة الشعوب وتطورمسيراتها الثقافية؟ تشير جميع هذه التساؤلات الى حقيقة ان من الصعب الاتفاق على تعريف وافٍ واحد للفن يضع النقاط على جميع الحروف، الامر الذي يزداد تعقيدا لاسباب جوهرية منها: خضوع قيمة الفن والفنانين لاحكام ذاتية اكثر من خضوعها لاحكام موضوعية. خضوع الاحكام الذاتية والموضوعية الى تأثيرات ظرفية مثل المكان والزمان وثقافة المجتمع ومرحلة تطوره. خضوع نطاق الفن الى توسعات وتغييرات منهجية مستمرة. تضمّن معنى الفن ، اضافة الى ما هو متعلق بالمهارة ، معاني وارتباطات اخرى مثل التشكيل، المفهوم المتأتي من فعل التوليف والتركيب التنسيقي فضلاً عما يحيط ذلك التوليف من ميزات الخلق والابتكار والابداع، وهذا المعنى الاخير هو الذي يشير اكثر من اي معنى اخر الى مايسمى بالفنون الجميلة، هذا المصطلح الذي ابتكرته اول اكاديمية للفنون، تلك التي تأسست في باريس عام 1648، إذ كان سبب اطلاق المصطلح هو التمييز بين ما وصف بالفنون الجميلة التي ضمت الرسم والنحت والعمارة عن سواها من الفنون التي انتمت للحرف الفنية. على ان هذا الحصر التكنيكي للمفهوم لم يسلم هو الاخر من الاشكالات ، فهناك مايميز الفنون الجميلة البحتة عن الفنون الجميلة التطبيقية حيث يستأثر كل منهما بمقامه الاجتماعي ويأخذ تصنيفه وتقييمه بموجب ذلك المقام. واستنادا الى هذا التصنيف تتركز خصوصية الفنون الجميلة البحتة بالتعبير الذاتي الابداعي للفنان الذي يعكس الحاجات الفكرية والنفسية للمجتمع، فيما تختلف عن ذلك الحرف الفنية المتميزة بطابعها العملي والمعبرة عن الحاجات الاستعمالية للانسان. وبين هذا الطرف وذاك تقع الفنون الاعلانية التي ترتبط بالسوق وتعكس حركته التجارية. على ان مفهوم الفن البحت ارتبط بعنصر التعبير الشخصي للفنان، الامر الذي لم يتبلور تأريخياً الا بعد بزوغ المدرسة الانطباعية في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر وشيوع موضوعة ان بامكان الفنان ان يرسم مايختلج في عقله وليس فقط ماتراه عيناه. أي ان يرسم انطباعاته عن العالم الذي من حوله. وبالرغم من وضع هذه الاصناف من المفاهيم في خاناتها الخاصة ، فهي غير مفصولة عن بعضها بجدران حديدية ، انما تختلط وتتداخل وتتفاعل فيما بينها ، ولايكون مبعث الفيصل في تفريقها إلا الآراء الذاتية والاجتهادات الشخصية ، على ان مفهوم التعبير الذاتي البحت عن دواخل الفنان وافكاره هو مفهوم نسبي حتى في حالات توفّر الحرية المطلقة للتعبير، ذلك ان الفنان الحر انما يعبر بشكل غير إرادي عن حالة العقل الجمعي وثقافة المكان وتقاليده وموروثاته، اما الفنان المؤدلج الذي يقف على نهاية الطرف الاخر من هذا الخط فانه يعبر عن الايديولوجية التي يحملها، خيارا ام قسرا، الامر الذي يدفعه بالتدريج الى التخلي عن ذاته الصغيرة الحقيقية والالتصاق بالذات الكبرى الوهمية سواء كانت قومية ، عنصرية، عشائرية، مذهبية او حزبية. يتعرض الجدل حول مفهوم الفن ايضا الى فكرة ان الفن لايمكن حصره بمعنى مفرد ، بل قد يكون من الحكمة ان يعتبر الفن كمنظومة لمفاهيم عديدة تعنى بجوانب مختلفة ولكن يربطها رابط واحد. وقد مهد مثل هذا الاتجاه الى نشوء وجهة نظر اخرى تتمثل في ان الفن ظاهرة اجتماعية تستمد وجودها وتكتسب شرعيتها من ارتباطها المؤسسي بالمنظومات الاجتماعية ، وخاصة المنظومات التي تؤلف سلطة الفن كالمتاحف وصالات العرض والنقاد والمؤرخين والصحفيين. يأخذنا هذا الانعطاف الى التمييز بين وجهتي نظر متناقضتين: الاولى تعود بنا الى الفلسفة التولستوية التي تفضي الى ان المتلقي وحده، هو الذي يقررفيما اذا كان العمل فنا ام لا، بصرف النظر عن نية الفنان او مدى جهده او سعيه ، وليس المقصود بالمتلقي هنا شخصا مفردا انما العقل والضمير الجماهيري الجمعي. وبذلك فان قيمة الفن تتحدد بمدى التأثير الذي يتركه العمل الفني على عواطف الاخرين والانطباع الذي يثيره في احاسيسهم. اما وجهة النظر الثانية فتعود الى الفيلسوف الاميركي جان ديوي وماجاء في كتابه الفن كخلاصة للتجربة المنشور عام 1934 الذي يؤكد فيه على الدور الاول لنية الفنان وتوجهاته ويورد مثالا من عالم الأدب فيقول ؛ ان قطعة ادبية ما يمكن لها ان تعتبر قصيدة شعرية، فقط اذا اراد لها الشاعر ان تكون كذلك وقام بتقديمها للقراء كقصيدة، بغض النظر عما يراه بقية الشعراء او المؤسسات الادبية. ويمكن لنفس القطعة ان تكون مقدمة مقتضبة لتقرير صحفي اذا ماشاء الصحفي ان تكون كذلك، وبهذا فاننا نتعامل مع النتاج الادبي نفسه وهو يلبس لباسين مختلفين، ليس لما يميزه من ميزات فنية متأصلة فيه انما بسبب مايراد له ان يكون… تستمد وجهة النظر هذه قوة اضافية وتعمل بفاعلية اكبر اذا ما اضفنا الى نيات الفنان ومقاصده ، مدى شهرته ووزنه في الوسط الفني ، ونستطيع ان نرى ان ذلك ينطبق انطباقا جليا على ماجرى ويجري في اروقة الفن الحديث والادب الحديث. فمن ذا الذي يعتبر، على سبيل المثال، رسم بسيط لعلبة حساء، ماركة كامبل (1968)، أو الادهى من ذلك ، مبولة بورسلين حقيقية (1917 ) اعمالا فنية شهيرة من نتاجات الفن الحديث التي كتبت عنها الآلاف من الكتب والمقالات، لولا مقاصد اندي وورهول ومارسيل دوشامب، على التوالي، وما تمتعا به من شهرة ونفوذ في الاوساط الفنية. وجميعنا يدرك ان ذلك اصبح من حقائق الحياة الثقافية التي نعيشها محليا. فلا احد منا يشك، مثلا، بامكانية رفض نشر اجمل واروع قصيدة يكتبها شاعر شاب غير معروف في الوقت الذي لايجرؤ اي احد على رفض اي ترهة او تافهة قد يكتبها شاعر مشهور مثل ادونيس او محمود درويش، بل ستتبارى دور النشر فيما بينها على الاستحواذ على نشر الترهات والت
مارس 17th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر,
