فن معاصر

أبريل 19th, 2009 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر

 

 

المزيد


النهاية 01 … صامويل بيكيت

سبتمبر 22nd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر

كسونى واعطونى نقوداً ، النقود كى أبدأ بها ، أعرف ذلك ، وإذا انتهت فلابد من الحصول على غيرها ، إذا أردت أن أستمر ، الشيء نفسه بالنسبة للحذاء ، فحينما يتمزق يجب أن أصلحه أو أستبدله أوأسير حافياً ، إذا أردت أن أستمر ، ينطبق هذا أيضاً على السترة والبنطلون ، و غنى عن القول ، إنى أستطيع العيش بدون السترة إذا أردت ، الملابس : من حذاء وجوارب وقميص و سترة ، لم تكن جديدة ، لكن الميت كان يقاربنى فى الحجم ، يمكننى القول إنّه كان أقصر قليلاً ، أنحف قليلاً ، لأن الملابس لم تناسبنى تماماً فى البداية ، كما أضحت فى النهاية ، خاصة القميص ، فقد مرت أيام عدة قبل أن أتمكن من زرّه عند الرقبة ، أو الإستفادة من الياقة التى تناسبه ، أو شبك طرفيه القريبين من ساقى بالطريقة التى علمتها لى أمى

لابد أنه ارتدى ملابس الأحد للذهاب إلى غرفة الفحص ، ربما للمرة الأولى ، ثم لم يستطع احتمالها بعد ذلك ، فليكن ، كانت القبعة مستديرة سوداء وفى حالة جيدة ، قلت لهم احتفظوا بقبعتكم وأعطونى قبعتى ، وأضفت أعيدوا لى البالطو ، أجابوا أنهم قد احرقوهما مع كل ملابسى الأخرى ، أدركت أن النهاية قريبة على الأقل إلى حد ما

فى فترة لاحقة ، حاولت استبدال هذه القبعة بكاب أو ببرنيطة لها حافة يمكن أن أسدلها على وجهى ، لكنى لم أفلح ، ومع ذلك لبستها لأنى لا أستطيع التجول عارى الرأس بالحالة التى تبدو عليها جمجمتى . كانت فى البداية حقيرة على رأسى ، ثم اعتادتنى ، أعطونى ربطة عنق بعد نقاش طويل ، بدت لى جميلة ، وحينما أتوا بها أخيراً ، لم تعجبنى ، كنت تعباً فلم أرفضها ، وقد أضحت ذات فائدة فى النهاية ، كانت زرقاء بنقوش من نجوم صغيرة

لم أشعر أنى بصحة جيدة ، لكنهم أخبرونى أنى بصحة تسمح لى بالمغادرة ، لم يوضحوا أن صحتى جيدة كما يجب أن تكون ، لكن ذلك كان مضمون كلامهم

استلقيت كسلان على السرير ، واحتاج الأمر إلى ثلاث نساء ليلبسننى السروال ، لم يبد عليهن أى اهتمام بأعضائى الخاصة ، التى - وأقول الحق – ليس فيها ما يستحق أن يشار إليه ، فأنا نفسى لم أهتم بها كثيراً ، لكن كان يجب أن تكون هناك ملاحظة ما ، حين انتهيت ، نهضت وأكملت ارتداء ملابسى بلا عون ، أخبرننى أن أجلس على السرير وأنتظر ، ، كل ما كان يغطى السرير قد اختفى ، وقد أغضبنى أنهن لم يتركننى أنتظر فى سريرى المألوف بدلاً من أن أقف فى البرد بهذه الملابس (المكبرتة) قلت : كان يجب تركى فى السرير حتى اللحظة الأخيرة ، جاء رجال بملابس بيضاء ، بأيديهم مدقات خشبية ، فككوا السرير وحملوا أجزاءه ، تبعتهم إحدى النسوة ، وعادت بكرسى وضعته أمامى ، لقد أحسنت إذ تظاهرت بالغضب ، ولأبين لهم بوضوح تام مقدار هذا الغضب ضربت الكرسى بركلة طيّرته ، دخل رجل أشار لى أن أتبعه ، فى الصالة أعطانى ورقة لأوقعها ، قلت ما هذه ؟ تصريح مرور؟ قال إيصال بالملابس والنقود التى تسلمتها ، قلت : أى نقود ؟ ساعتها سلمنى النقود ، أتصدق كدت أغادر دون بنس واحد فى جيبى ، المبلغ ليس كبيراً إذا قورن بمبالغ أخرى، ولكنه بدا لى كبيراً ، ودعت الأشياء المألوفة بنظرى ، رفقاء ساعات طويلة محتملة ، الكرسى بلا ظهر مثلاً ، أعز الأشياء ، أوقات بعد الظهر الطويلة معاً ، فى انتظار حلول موعد النوم ، أحياناً كنت أشعر أن حياته الخشبية تغزونى حتى أغدو كقطعة خشب قديمة ، لقد كان فيه حتى مكان لدملى ، ثم هناك لوح النافذة الزجاجى برقعته المغبشة حيث اعتدت أن ألصق عينى فى أوقات الضيق ، ونادراً بلا نتيجة ، قلت : أنا مدين لكم بشدة ، هل هناك قانون يمنعكم من طردى عارياً ومفلساً ؟ أجاب : ذلك سيدمر سمعتنا على المدى الطويل ، قلت : ألا يستطيعون إبقائى فترة أطول قليلاً؟ يمكننى أن أكون مفيداً ، قال : مفيد! دع المزاح جانباً ، أيمكنك حقاً أن تكون مفيداً ! وأضاف بعد لحظة : لو أيقنوا أنك ستكون مفيداً لأبقوك . أنا على ثقة من ذلك ؛ لن أبدأ ذلك ثانية ، كم أشعر بالضعف ، قلت : ربما يوافقون أن يستعيدوا النقود ويبقونى فترة أطول ، قال : هذه مؤسسة خيرية والنقود هبة تأخذها حين تغادر وإذا انتهت فعليك أن تتدبر أمرك للحصول على المزيد إذا أردت أن تحيا ، لا تعد إلى هنا أبداً ، ومهما فعلت فلن يسمح لك بالدخول ، ثم لا تذهب إلى أى فرع آخر فسيطردونك ، صحت مبرطماً ، قال : لست عجوزاً لدرجة كبيرة ، قلت : هل يمكننى أن أنتظر حتى يتوقف المطر ؟ قال : يمكنك أن تنتظر فى الرواق ، المطر سيستمر طوال اليوم ، يمكنك الإنتظار حتى السادسة مساء ، ستسمع الجرس ، إذا اعترضك أحد فقل فقط إنك معك تصريح بإتقاء المطر فى الرواقى ، قلت : ما الإسم الذى أقوله ، قال : وير

لم يمض وقت طويل وأنا فى الرواق حتى توقف المطر وسطعت الشمس، كانت منخفضة وخمنت أنها داخلة على السادسة واضعاً الفصول فى الإعتبار ، مكثت هناك متطلعاً عبر المدخل المقنطر إلى الشمس وهى تختفى ، برز لى رجل وسألنى ماذا أفعل ؟ وماذا أريد ؟ أجبت بلطف شديد : إن مستر وير سمح لى بالبقاء حتى الساعة السادسة ، ابتعد ، لكنه عاد لتوه ، لابد أنه تحدث مع مستر وير لأنه قال : لا تتسكع فى الرواق فالمطر قد توقف

شققت طريقى عبر الحديقة ، كان هناك ذلك الضوء الغريب الذى ينهى يوماً من مطر متواصل ، حيث تظهر الشمس وتصفو السماء فى وقت متأخر دون فائدة ، الأرض تصدر أصواتاً كالتأوهات ، وآخر القطرات تتساقط من السماء الصافية الفارغة ، ولد صغير يمد يديه إلى السماء ويسأل والدته كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا ؟ تذكرت فجأة أنى نسيت أن أطلب من مستر وير قطعة خبز ، كان بالتأكيد سيعطينيها ، فكرت بذلك بالفعل أثناء نقاشنا فى الصالة ، قلت لنفسى لنُنه حديثنا أولاً ثم أطلب منه بعد ذلك ، كنت متأكداً أنهم لن يبقونى ، كان يسعدنى أن أعود ، لكنى كنت أخاف أن يوقفنى الحراس ويخبرونى أنى لن أستطيع رؤية مستر وير ثانية ، وذلك سيضاعف أحزانى ، وعلى كل حال ، فهل فى مثل هذه الظروف أنا لا أرجع أبداً

فى الشارع تهت . لم أخطُ فى هذا الجزء من المدينة منذ وقت طويل ، وبدا لى أنه تغير كثيراً ، مبان كاملة اختفت ، الأسيجة تبدلت مواقعها ، وفى كل ناحية أسماء تجار بحروف كبيرة لم أرها من قبل ، تلعثمت فى نطقها ، شوارع لا أذكرها وبعض ما أذكره قد تلاشى ، وأخرى تغيرت أسماؤها تماماً ، إحساسى العام كان هو نفسه ، حقيقة لم أعرف المدينة جيداً ، إنها مدينة أخرى مختلفة

لم أعرف أين يُفترض أن أذهب ، كان حظى كبيراً أكثر من مرة فى ألا تدوسنى العربات ، شكلى مازال يبعث فى الناس الضحك ، تلك الضحكة القلبية المرحة المفيدة للصحة ، سرت ، محافظاً أن يكون ذلك الجزء الأحمر من السماء على عينى قدر إمكانى ، فوصلت النهر ، هنا بدا لى للنظرة الأولى أن كل شيء كما تركته ، ولكن بتدقيق النظر تجد بلا شك تغيرات كثيرة ، وقد قمت بهذا بعد ذلك ، لكن المنظر العام للنهر بتدفقه بين ضفتيه وتحت قناطره ، لم يتغير ، نعم ، مازال النهر يعطى انطباعاً بأنه يتدفق فى الإتجاه الخاطئ ، حزمة من الأوهام تنتابنى ، مقعدى مازال هناك ، تشكل ليناسب انحناءات الجسد ، يقع بجانب حوض مياه ، هدية من مسز ماكسويل إلى خيول المدينة ، كما هو موضح عليه ، عدة أحصنة استفادت من الأثر ، أثناء فترات الإستراحة القصيرة التى قضيتها هناك ، كنت أسمع الحدوات الحديدية تقترب ، وصلصلة عدة الحصان ، ثم الصمت ، ذلك لأن الحصان ينظر إلىّ ، ثم صوت الشرب ، ثم الصمت ثانية ، حتى يرتوى الحصان أو يعتقد الحوذى أنه ارتوى . الخيل فى طبعها القلق ، ذات مرة حين توقفت الضجة ، التفت فوجدت الحصان ينظر نحوى ، والحوذى ايضاً ، لا شك أن مسز ماكسويل ستسعد لو رأت حوضها يقدم هذه الخدمات للمدينة

حينما حل الليل ، بعد شفق ممل ، خلعت قبعتى التى كانت تؤلمنى ، تشوقت أن يضمنى مكان خال ، حميمى ودافئ ، مضاء صناعياً ، أختار له م

المزيد


الفنان والناقد والكناس

سبتمبر 7th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر

irania

ماهية الفن بقلم مصدق الحبيب

لم يحل المعنى الحالي لكلمة الفن في التداول اللغوي الا في منتصف القرن الثامن عشر، وفي ماقبل ذلك كان الفن يرتبط بمعناه العام ذي الجذور اللاتينية ( ars ) التي تشير الى المهارة ولاسيما المهارة الِحرفية والمهنية. ورغم الجدل المستمر حول معنى الفن الذي احتدم وتشعب للحد الذي اصبح فيه الاتفاق على معنى واحد متعذرا، بخاصة خلال القرن الاخير، فأن التعريف الاكاديمي التطبيقي لايزال يعتمد الانتاج والمهارة الحرفية المتطلبة فيه كمركز للثقل في صياغة التعريف الرسمي.  تعرّف الموسوعة البريطانية الفن على انه استخدام التصور والمهارة لخلق نتاجات جمالية او صياغة تجارب شعورية او تهيئة مناخات تتميّز بحس جمالي. وتعرفه موسوعة اينكارتا بانه نتاج النشاط البشري الابداعي الذي يستخدم الوسائل المادية وغير المادية للتعبير عن الافكار والعواطف والمشاعر الانسانية. واذا كانت هذه التعريفات مستوفية للشروط التكنيكية فانها، وكثير مثلها، لم تستطع انهاء الجدل حول فحوى الفن، الامر العويص الذي قد يجر السائل المتفحص الى عشرات الاسئلة من قبيل:  مالذي يقرر حجم استخدام او شرعية تلك المهارات او حدها الادنى المطلوب او مدى انطباق مواصفاتها على النتاج المأمول ؟ والأعقد من هذا، مالذي يقرر ان ذلك النتاج فني أم لا ؟ هل هناك مواصفات او شروط محددة ينبغي على النتاج الفني استيفاؤها من اجل ان يصبح نتاجا فنيا ابداعيا؟ وماهي طبيعة الدور الذي يلعباه الزمان والمكان في التأثير على فنية النتاج ومدى ابداعيته؟ ومن ذا الذي يحكم بان ذلك النتاج فنيٌ ام لا؟ وهل هذه المهمة مناطة بالفنان ام بالمتلقي؟ وهل ثمة دور او مسؤولية في هذا الحكم تناط لطرف ثالث قد يتمثل بمقاولي وممولي النشاطات الفنية او النقاد المحترفين والصحفيين والسياسيين والمؤرخين والنفسانيين وعلماء الاجتماع واختصاصيي نشأة الشعوب وتطورمسيراتها الثقافية؟  تشير جميع هذه التساؤلات الى حقيقة ان من الصعب الاتفاق على تعريف وافٍ واحد للفن يضع النقاط على جميع الحروف، الامر الذي يزداد تعقيدا لاسباب جوهرية منها: خضوع قيمة الفن والفنانين لاحكام ذاتية اكثر من خضوعها لاحكام موضوعيةخضوع الاحكام الذاتية والموضوعية الى تأثيرات ظرفية مثل المكان والزمان وثقافة المجتمع ومرحلة تطوره. خضوع نطاق الفن الى توسعات وتغييرات منهجية مستمرة. تضمّن معنى الفن ، اضافة الى ما هو متعلق بالمهارة ، معاني وارتباطات اخرى مثل التشكيل، المفهوم المتأتي من فعل التوليف والتركيب التنسيقي فضلاً عما يحيط ذلك التوليف من ميزات الخلق والابتكار والابداع، وهذا المعنى الاخير هو الذي يشير اكثر من اي معنى اخر الى مايسمى بالفنون الجميلة، هذا المصطلح الذي ابتكرته اول اكاديمية للفنون، تلك التي تأسست في باريس عام 1648، إذ كان سبب اطلاق المصطلح هو التمييز بين ما وصف بالفنون الجميلة التي ضمت الرسم والنحت والعمارة عن سواها من الفنون التي انتمت للحرف الفنية. على ان هذا الحصر التكنيكي للمفهوم لم يسلم هو الاخر من الاشكالات ، فهناك مايميز الفنون الجميلة البحتة عن الفنون الجميلة التطبيقية حيث يستأثر كل منهما بمقامه الاجتماعي ويأخذ تصنيفه وتقييمه بموجب  ذلك المقام. واستنادا الى هذا التصنيف تتركز خصوصية الفنون الجميلة البحتة بالتعبير الذاتي الابداعي للفنان الذي يعكس الحاجات الفكرية والنفسية للمجتمع، فيما تختلف عن ذلك  الحرف الفنية المتميزة بطابعها العملي والمعبرة عن الحاجات الاستعمالية للانسان. وبين هذا الطرف وذاك تقع الفنون الاعلانية التي ترتبط بالسوق وتعكس حركته التجارية. على ان مفهوم الفن البحت ارتبط بعنصر التعبير الشخصي للفنان، الامر الذي لم يتبلور تأريخياً الا بعد بزوغ المدرسة الانطباعية في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر وشيوع موضوعة ان بامكان الفنان ان يرسم مايختلج في عقله وليس فقط ماتراه عيناه. أي ان يرسم انطباعاته عن العالم الذي من حوله. وبالرغم من وضع هذه الاصناف من المفاهيم في خاناتها الخاصة ، فهي غير مفصولة عن بعضها بجدران حديدية ، انما تختلط وتتداخل وتتفاعل فيما بينها ، ولايكون مبعث الفيصل في تفريقها إلا الآراء الذاتية والاجتهادات الشخصية ، على ان مفهوم التعبير الذاتي البحت عن دواخل الفنان وافكاره هو مفهوم نسبي حتى في حالات توفّر الحرية المطلقة للتعبير، ذلك ان الفنان الحر انما يعبر بشكل غير إرادي عن حالة العقل الجمعي وثقافة المكان وتقاليده وموروثاته، اما الفنان المؤدلج الذي يقف على نهاية الطرف الاخر من هذا الخط فانه يعبر عن الايديولوجية التي يحملها، خيارا ام قسرا، الامر الذي يدفعه بالتدريج الى التخلي عن ذاته الصغيرة الحقيقية والالتصاق بالذات الكبرى الوهمية سواء كانت قومية ، عنصرية، عشائرية، مذهبية او حزبية. يتعرض الجدل حول مفهوم الفن ايضا الى فكرة ان الفن لايمكن حصره بمعنى مفرد ، بل قد يكون من الحكمة ان يعتبر الفن كمنظومة لمفاهيم عديدة تعنى بجوانب مختلفة ولكن يربطها رابط واحد. وقد مهد مثل هذا الاتجاه الى نشوء وجهة نظر اخرى تتمثل في ان الفن ظاهرة اجتماعية تستمد وجودها وتكتسب شرعيتها من ارتباطها المؤسسي بالمنظومات الاجتماعية ، وخاصة المنظومات التي تؤلف سلطة الفن كالمتاحف وصالات العرض والنقاد والمؤرخين والصحفيين. يأخذنا هذا الانعطاف الى التمييز بين وجهتي نظر متناقضتين: الاولى تعود بنا الى الفلسفة التولستوية التي تفضي الى ان المتلقي وحده، هو الذي يقررفيما اذا كان العمل فنا ام لا، بصرف النظر عن نية الفنان او مدى جهده او سعيه ، وليس المقصود بالمتلقي هنا شخصا مفردا انما العقل والضمير الجماهيري الجمعي.  وبذلك فان قيمة الفن تتحدد بمدى التأثير الذي يتركه العمل الفني على عواطف الاخرين والانطباع الذي يثيره في احاسيسهم. اما وجهة النظر الثانية فتعود الى الفيلسوف الاميركي جان ديوي وماجاء في كتابه الفن كخلاصة للتجربة المنشور عام 1934 الذي يؤكد فيه على الدور الاول لنية الفنان وتوجهاته ويورد مثالا من عالم الأدب فيقول ؛ ان قطعة ادبية ما يمكن لها ان تعتبر قصيدة شعرية، فقط اذا اراد لها الشاعر ان تكون كذلك وقام بتقديمها للقراء كقصيدة، بغض النظر عما يراه بقية الشعراء او المؤسسات الادبية. ويمكن لنفس القطعة ان تكون مقدمة مقتضبة لتقرير صحفي اذا ماشاء الصحفي ان تكون كذلك، وبهذا فاننا نتعامل مع النتاج الادبي نفسه وهو يلبس لباسين مختلفين، ليس لما يميزه من ميزات فنية متأصلة فيه انما بسبب مايراد له ان يكون… تستمد وجهة النظر هذه قوة اضافية وتعمل بفاعلية اكبر اذا ما اضفنا الى نيات الفنان ومقاصده ، مدى شهرته ووزنه في الوسط الفني ، ونستطيع ان نرى ان ذلك ينطبق انطباقا جليا على ماجرى ويجري في اروقة الفن الحديث والادب الحديث. فمن ذا الذي يعتبر، على سبيل المثال، رسم بسيط لعلبة حساء، ماركة كامبل (1968)، أو الادهى من ذلك ، مبولة بورسلين حقيقية (1917 )  اعمالا فنية شهيرة من نتاجات الفن الحديث التي كتبت عنها الآلاف من الكتب والمقالات، لولا مقاصد اندي وورهول ومارسيل دوشامب، على التوالي، وما تمتعا به من شهرة ونفوذ في الاوساط الفنية. وجميعنا يدرك ان ذلك اصبح من حقائق الحياة الثقافية التي نعيشها محليا. فلا احد منا يشك، مثلا،  بامكانية رفض نشر اجمل واروع قصيدة يكتبها شاعر شاب غير معروف في الوقت الذي لايجرؤ اي احد على رفض اي ترهة او تافهة قد يكتبها شاعر مشهور مثل ادونيس او محمود درويش، بل ستتبارى دور النشر فيما بينها على الاستحواذ على نشر الترهات والت

المزيد


عن الأسرة والكراسي … سعود سالم

مارس 17th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فن معاصر

 

electr

 1203437039.wmv       الفن أحد دعائم الأسمالية التجارية
ان تخلص الفن
من فكرة المحاكاة الموروثة من الثقافة اليونانية، رغم كون ذلك خطوة جبارة في تطوير الفنون وتقدمها، غير ان ذلك أدى في نفس الوقت إلى سقوط الفن في غياهب ظلمة فكرية، وأدى إلى خلق سلطة جديدة لا حدود لها، ومنحها لمفسري الفن وشيوخه، وأدى خلق هذه السلطة الفنية، والمكونة من النقاد الفنيين والمثقفين والفنانين انفسهم، بالاضافة إلى اصحاب صالات العرض ومديري المتاحف والمسئولين السياسيين عن الثقافة، إلى خلق هوة عميقة بين الفن والحياة وبين الفن والمشاهد العادي اللذي لم يستطع ان يتجاوز مرحلة المحاكاة ولم يستطع - حسب نظرة هؤلاء النقاد- الوصول إلى اسرار الفنومعناه العميق. فنلاحظ هذه النظرة الغيبية للفن بوضوح اكثر حدة، فيما يتعلق بالفن التشكيلي، حيث نشاهد ظواهر غريبة في مجال النقد، أذ يتكلم النافد احيانا مثل (العرافين)، الذين يتنبأون بما يخبئه المستقبل، فيفسرون معنى الألوان والأشكال، ويجعلون (اللوحة) تنطق وتبوح بسرها كما يفعل المشعوذون الذين يحركون الطاولات، ويجعلونها تتحاور مع البشر بأية لغة يشاءون. ذلك ان اغلب النقاد يعتبرون الفن لغة يجب اكتشاف وتحليل شفرتها، وترجمتها إلى لغة الكلمات، أو في احسن الأحوال يجعلونها رموزا يجب تحليلها مثل الأحلام، ويستعملون في ذلك ادوات الإنشاء الفرويدية وغيره من مفسري النفس البشرية وابداعاتها. ونحن نعرف اليوم ـ ونستطيع ان نؤكد ـ بأنه لا يوجد وراء (اللوحة) سوى الحائط الذي يسندها، وكل ماعدا ذلك هو من السحر والشعوذة الفكرية، والتي لا تقود إلا إلى المزيد من التعمية، وتعميق الهوة ـ العميقة أصلا ـ بين المشاهد والفن، واغراقه في الخطأ الأساسي، وهو محاولة ايجاد الرسالة المخبأة وراء الألوان والخطوط. وبهذا القول لا نعني انه لا يوجد أي معنى او رمز لأية لوحة او أي عمل من الأعمال الفنية، بل نعني بان هذا المعنى او الرمز ـ إذا وجد ـ فإنه ليس له علاقة مباشرة، او داخلية بالعمل الفني.إنه بناء وتركيب بعدي، وليس من خصائص العمل الفني جوهريا، إنه يتعلق باللوحة وبالمشاهد معا، انه مجرد (علاقة) او اضافة ثقافية اجتماعية، تلتصق بالعمل الفني من الخارج، كعنوان اللوحة، وسعرها، وتاريخها، وتوقيع الرسام، الخ. إن الفنان حين يبدأ في رسم لوحته، لايضع خطة جهنمية لإخفاء مايريد قوله، إنه لا يرسم اسرارا، إنه فقط يقوم بعمله حسب احاسيسه، وقواعده، وقوانينه الداخلية، وحسب المعطيات المادية المتاحة امامه، ولا يستطيع هو ذاته تنظير عمله علميا بطريقة لغوية. إنه لا يستطيع ان يتجاوز حدود اللغة، كما لا يستطيع ان يتجاوز حدود اللوحة. فاللغة حدودها المعنى، بينما الرسم والفن عموما، هو مسرح الخيال، أو المخيلة. وهذا لا يعني عدم وجود الخيال في الكتابة مثلا، غير ان الوسيلة المستعملة لفتح لوحة ما، غير الوسيلة المستعملة لفتح رواية او قصيدة شعرية. المفتاح يختلف اختلافا جوهريا، ولا نستطيع حتى ولو كنا سحرة، ان نفتح عملا فنيا كاللوحة، بمفتاح اللغة، ولا ان نفتح قصيدة شعرية، بمفتاح الخيال ـ الكلمات تمنعنا من ذلك، رغم وجود بعض التجارب المعاصره التي تحاول ان تتجه في هذا الاتجاه، حيث تستعمل الكلمات كأشكال بصرية، وتحاول التخلص من المعنى قدر الإمكان، و تجارب الشعر الصوتي والشعر البصري تنحو هذا الاتجاه دون نجاح كبير، لسبب تقني بسيط، هو عدم قدرة هذه التيارات التخلص من فكرة الكتاب كوسيلة لنشر هذا النوع من الشعر. إن السؤال المطروح الذي يقود في اغلب الأحيان إلى محاولة التفسير للفن، أو للعمل الفني. جوهر الفن هو (ما هو الشيء الذي يجعل من شيء ما عملا فنيا ؟). وفي تاريخ العالم منذ البداية، آلاف المفكرين والفنانين والشعراء والشيوخ، الخ. حاولوا الإجابة على هذا السؤال كل بطريقته وحسب معتقداته الشخصية. وفي النهاية، كانت كل الاجابات لها نفس الدرجة من الحقيقة، نظرا لعدم وجود منهج او طريقة واضحة للاجابة، أو حتى لطرح مثل هذه الاسئلة. الشاعر ماياكوفسكي يقول في احدى قصائده لاأحب الورود، لأنني لست أنا الذي خلقتها. فالشاعر الخلاق ـ على ما يبدوـ لايحب الطبيعة، لأن الطبيعة ـ حتى عند أرسطوـ كانت تقابل، أو تضاد الفن. لأن الطبيعة هي الشيء الذي يوجد بداخله مبدأ الحركة، أما الفن فهو الشيء المخلوق الذي يكون فيه مبدأ الحركة من الخارج وليس من الذات. غير انه في العصر الحديث، اصبحت كلمة فن ( 1 ) ليست مضادة للطبيعة، وانما للصناعة والتقنية ( 2 )، أي للآلية الخاضعة لقوانين المادة الصرفة. ففكرة الخلق إذاً ، لم تعد كافية لتعريف العمل الفني، سواء كان لوحة، او قطعة فنية، اوشعرية او موسيقية أو مسرحية او رواية الخ. ذلك ان الانسان الذي يخلق كرسيا او طاولة او سيارة او صاروخا أو أي شيء آخر من هذا النوع، فإنه لن يكون بذلك قد خلق عملا فنيا، انه لن يكون اكثر من خباز او مهندس او عامل، مهما كان هذا العمل معبرا عن نفسية هذا الانسان او مناسبا له ـ رغم علمنا بعدم امكانية هذا التعبير في العالم الرسمالي ـ ففكرة الخلق أو الابداع لا يمكن لوحدها ان تكون كافية لتعريف العمل الفني وتحديد هويته. وهناك ايضا الفكرة السائدة في المجال الفني، بأن العمل الفني لا يجب ان تكون له غاية محددة ومفيدة عمليا( 3 ). بمعنى ان اللوحة ليس لها وظيفة اخرى سوى كونها لوحة. غير انه من الصعب اليوم تقبل هذه الفكرة، ونسيان ان العمل الفني له وظيفة وفائدة وغاية اقتصادية واجتماعية، باعتبار العمل الفني انتاجا وبضاعة وسلعة تجارية، لا تختلف عن الطماطم، أو البصل، لها اسواقها واسعارها وسماسرتها، وتخضع لقانون العرض والطلب، وغيره من قوانين السوق. كما انه يمكن ان نذكر ان الاشباع النفسي او الروحي للفنان ذاته، ولمشاهد اللوحة، حيث ان الاحاسيس الجمالية، والمتعة البصرية ـ رغم خضوعها لقوانين الذاتية، وعدم قدرتناعلى قياسها وتقييمها ـ فان وجودها ليس محلا للشك، مما دفع بعض الفلاسفة والنقاد منذ القدم، إلى ايجاد العلاقة بين الفن والجمال ـ فالفن كل ما هو جميل، ويبعث في الانسان الشعور بهذا الجمال ـ. غير ان هذا المقياس لم يعد كافيا اليوم، حتى لوافترضنا كفايته في الماضي. حيث ان عنصر الجمال قد اختلط بكافة تفاصيل المنتوجات الصناعية، وحتى بالنظام السياسي والاجتماعي ذاته. كل الاشياء والادوات التي تحيط بنا في جميع اركان الحياة المعاصرة، من السيارة إلى الملابس إلى اجهزة الاتصالات المختلفة، من فرشة الاسنان وعلبة السجائر، يتم التفكير فيه بطريقة جمالية معينة، لها قوانينها وموضاتها المختلفة حسب الزمان والمكان، بالاضافة إلى ان فكرة الجمال تنطبق أيضا على الطبيعة ـ المناظر الجميلة ـ مثل البحر والجبل ومختلف الالوان والاشكال التي نجدها في الطبيعة، والتي تثير فينا نفس الاحساس بالروعة او الرهبة او الدهشة الخ. وهو ماعبر عنه شيلينغ ( 4 ) في كتابه   فلسفة الفن بقوله  الله وحده هو الفنان. ماهي اذا هذه الخاصية العجيبة التي تجعل من عمل انساني ما… عملا فنيا. وتضفي عليه هذه الصفة التي تبعث في نفس المشاهد او السامع الاحساس بانه امام ظاهرة فنية ؟ من المفارقات المدهشة في تاريخ الفلسفة والفن، انه للحصول على اجابات واضحة، يجب في كثير من الأحيان الرجوع إلى الفلسفة اليونانية ذاتها، حيث وضعت في الغالب كل الاسئلة الممكن طرحها، والتي طرحت فيما بعد طوال مئات السنين. افلاطون طرح هذا السؤال، ورغم ان جوابه لا يفيدنا كثيرا في هذه اللحظة، غير انه اشار إلى الطريق التي تؤدي إلى الاجابة الصحيحة. فافلاطون في جمهوريته انتقد الفنانين عموما، والشعراء بالذات، موضحا ان العمل الفني يتميز بكونه وهما، وليس حقيقة. بمعنى ان العمل الفني يتميز بكونه خياليا وليس حقيقيا، أي عدم وجوده نهائيا. ويضرب مثلا في الجزء العاشر من كتاب الجمهورية، ليشرح الفرق بين الفني، والعمل غير الفني، ( مثال السرير). فيفرق بين فكرة السرير- والذي يسميه السرير الحقيقي-، والتي تمثل جوهر السرير ذاته، ثم السرير العادي الذي نعرفه، والذي يصنعه النجاراو العامل حسب المواصفات والاحتياجات الانسانية والمادية للسرير، وهو سرير معين محدد له مقاييسه الخاصة، وله وظيفة معينة في استعماله اليومي، ثم السرير الثالث، والذي هو مجرد صورة رسمها الفنان لهذا السرير المعين. وهو يقول بان الفنان لا يحتاج إلى أية معرفة خاصة تتعلق السرير، وتكفي عدة خطوط والوان وظلال لتوحي بفكرة السرير. غير ان هذا السرير الثالث لا علاقة له بالسرير الحقيقي كفكرة، أو كمثال متعال، ولا بالسرير الثاني المحدد الذي خلقه الصانع أو العامل، بل هو مجرد   محاكاة لهذا السرير الثاني، مجرد صورة وهمية تعتمد على فكرة المحاكاة ( 5 ) للطبيعة. غير انها لا يمكن ان تصل إلى محاكاة حقيقية مهما حاول الفنان ان يبدع، وممهما كانت وسائله وامكانياته متقدمة. لذلك فإن هذا السرير ـ الفني- مجرد خدعة. والفنانون عموما مجرد كذابين على الجماهير. وسقراط يذهب ابعد من ذلك في سخريته من الفنانين الذين يريدون محاكاة الواقع، فيقول بانه ليس هناك داع لاستعمال الخطوط والالوان، إذ يكفي ان نمسك بمرآة ونوجهها حسب رغبتنا مقابل الاشياء التي نريد محاكاتها، وللتو تظهر في المرآة الاشجار والبيوت والاشخاص والوجوه التي نريد اظهارها. وكل انسان يستطيع ان يفعل ذلك. فمحاكاة الطبيعة هي مجرد لعبة صبيانية لا نحتاج اليها. إفلاطون اذاً حكم حكما نهائيا بتفاهة الفن وعدم الحاجة إليه في مدينته الفاضلة، وكان نقده

المزيد