
ما هي المشكلة الأساسية في عصر سبينوزا؟ بل ما هي المشكلة الأساسية على مدار ثلاثمائة سنة من تشكل الحداثة الأوروبية؟ إنها مشكلة الدين والأصولية الدينية. إذا لم نفهم هذه النقطة، إذا لم نعرها الاهتمام الكافي فإننا لن نفهم أبداً جوهر الحداثة ومعاركها الكبرى. عندما نشر سبينوزا كتابه “مقالة في اللاهوت السياسي“ عام 1670، فإن ذلك يعني أنه انخرط في إحدى المعارك الرهيبة التي استمرت بعده طيلة مائتي سنة وأكثر. لقد أراد تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم. وأراد أيضاً، وبالدرجة الأولى، البرهنة على الشيء الأساسي التالي : وهي أن حرية التفلسف، أو حرية الضمير والمعتقد والكلام، لا تضرّ أبداً بالسلام العام للدولة ولا تؤدي إلى الفسق والفجور كما يدعي اللاهوتيون. على العكس، إنها شرط أساسي لتحقق هذا السلام ولشيوع الاستقامة والنـزعة الأخلاقية في المجتمع. وبالتالي فلا ينبغي التضييق على الحرية الفكرية أو الفلسفية ما دامت تعبر عن نفسها داخل حدود القانون.
في الواقع إن هذا الكتاب يمثل أول تدخل لسبينوزا في الشؤون الدينية والسياسية لزمنه. ولذلك فهو يحتل مكانة خاصة بين أعماله. فهو قد ظهر في مرحلة حرجة من تاريخ هولندا. فالجدالات اللاهوتية كانت عنيفة بين مختلف الطوائف المسيحية وبالأخص البروتستانتية الكالفينية التي كانت تشكل دين الأغلبية. وذلك على عكس فرنسا، أو إسبانيا، أو إيطاليا حيث يسيطر المذهب الكاثوليكي بشكل مطلق تقريباً. وقد أدت هذه الصراعات اللاهوتية بين مختلف الطوائف البروتسانتية إلى انتصار المذهب الكالفيني أولاً، وذلك قبل أن يحصل تعايش سلمي إلى حد ما بين مختلف هذه الطوائف. وهو تعايش فريد من نوعه في أوروبا آنذاك. فمعظم الدول ما كانت تقبل إلا بمذهب واحد في أراضيها، وكانت تحرِّم كل المذاهب المسيحية الأخرى تحريماً قاطعاً باعتبار أنها منحرفة عن الخط المستقيم للدين المسيحي، أي عن الأرثوذكسية. وبالتالي فهي مهرطقة، أو زنديقة، ويحل تكفيرها وإدانة أتباعها وحرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية. وهذا ما فعله المذهب الكاثوليكي في فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، مع البروتستانتيين. وحدها انجلترا كانت تمشي في اتجاه التحرر من الطائفية والمذهبية، أي في الإتجاه الذي سلكته هولندا. بالإضافة إلى الصراعات اللاهوتية المذكورة كانت هناك صراعات على السلطة. وهي صراعات اندلعت بين عائلة “أورانج” الملكية، وبين المجالس المحلية التي تحكم المدن والأقاليم .
فبعد موت الملك غيوم الثاني وصل إلى السلطة شخص مستنير يدعى “جان دوفيت“. وشهدت هولندا في عهده ازدهاراً للعلوم والجامعات. وتم إدخال الفلسفة الحديثة إليها، أي فلسفة فرانسيس بيكون، وديكارت، وهوبز. وانتعشت الحياة الثقافية وشهدت دور النشر نشاطاً كبيراً. وأصبحت هولندا منارة للفكر والآداب في كل أنحاء أوروبا.
وإذن لماذا نشر سبينوزا كتابه؟ لماذا دافع بشكل مستميت عن حرية الفكر في أكثر بلدان أوروبا تسامحاً وليبرالية؟ لأن التسامح لم يكن كلياً ولا كاملاً. فنحن نعيش في النصف الثاني من القرن السابع عشر لا في القرن العشرين، ينبغي ألا ننسى ذلك. وأصدقاء سبينوزا وناشروه كانوا يعرفون مدى محدودية هذه الحرية. وقد دفعوا الثمن غالياً. وثانياً لأنه إذا كانت الدولة متسامحة، فإن الكنيسة لم تكن كذلك. كان هناك تفاوت كبير بين الحاكم جان دوفيت المشهور باستنارته وعقلانيته، وبين رجال الدين المتعصبين. وهو تفاوت أدى في نهاية المطاف إلى مقتل الزعيم الهولندي . وأخيراً يمكن القول بأن جو التسامح الذي كانت تعيشه هولندا كان مهدداً، وسبينوزا أول من يعرف ذلك بحسِّه الفلسفي الخارق. فمعروف أن المتشددين البروتستانتيين كانوا مرتبطين بالنظام الملكي المخلوع ويتمنون عودته لأنهم يكرهون جو الحرية والتسامح ولا يستطيعون تحمل كل هذه الزندقة الفكرية!!. صحيح أن النظام الليبرالي كان يبدو واقفاً على قدميه عندما كتب سبينوزا هذا الكتاب الحاسم في تاريخ الفكر. فزعيم هولندا الذي كان صديقه وحاميه كان يترأس جمهورية مزدهرة بالتجارة وذات مؤسسات راسخة ظاهرياً. ولكن بعد سنـتين فقط من ذلك التاريخ حصل الغزو الفرنسي لهولندا، وتمت تصفية الحكم الليبرالي، وأُعيد النظام الملكي الأصولي إلى سدة الحكم. وهكذا انهارت كل أحلام سبينوزا وصدقت تنبؤاته المتشائمة عن الأصوليين أو اللاهوتيين كما يحب أن يسميهم. فهم أصل العلَّة والبلاء : أي أصل الاستبداد والقضاء على الحرية الفلسفية.
ولكن كتاب سبينوزا، ككل كتاب فلسفي عظيم، يتجاوز الحالة الهولندية لكي يشمل الحالة الأوروبية وربما الكونية بأسرها. وهو يعكس عدة مستويات من الصراع. فهناك أولاً الصراع المتفجر بين اللاهوت والسياسة. من هنا عنوان الكتاب : مقالة في اللاهوت السياسي، أو بحسب ترجمة أخرى : مقالة في اللاهوت والسياسة. وهناك ثانياً الصراع الدائر في أوروبا منذ عصر النهضة بين الكتاب المقدس وفقه اللغة التاريخي أو ما يدعى بعلم الفيلولوجيا. فمعلوم أنه منذ القرن السادس عشر راح بعض النهضويين يدعون إلى تحقيق الكتاب المقدس تحقيقاً لغوياً وتاريخياً من أجل التوصل إلى نسخة صحيحة أو أقرب ما تكون إلى الصحة. وهو تحقيق سوف يؤثر على تفسيره بطبيعة الحال، ولذلك أثار ردود فعل غاضبة في أوساط الكهنة والمحافظين. وقد استعاد سبينوزا هذه المناقشة الكبرى وساهم في بلورتها. وهناك أخيراً الصراع الأبدي الكائن بين الفلسفة واللاهوت، وهو صراع يتجاوز حدود المسيحية الأوروبية لكي يشمل الإسلام والأرثوذكسية الشرقية وسواها. بهذا المعنى فإن كتاب سبينوزا كوني أو يتناول مسائل كونية. إن راهنيَّته بالنسبة للإسلام حالياً تبدو أكثر من واضحة وملحة..
والآن ماذا يقول
سبينوزا؟ عندما نقرأ مقدمته للكتاب يخيل إلينا للوهلة الأولى أنه يتبع أيضاً نفس الحل الذي اتبعه سلفه الأكبر ديكارت. فبما انه حريص على حماية الحرية الفلسفية أكثر من حرصه على إنقاذ الإيمان، فإنه راح يحصر الفلسفة في مجالها، والدين في مجاله لكيلا يعتدي أحدهما على الآخر! يقول مثلاً: “اقتناعي العميق هو أن الكتابات المقدسة (أي التوراة والإنجيل) لا علاقة لها بالفلسفة على الإطلاق. وإنما كل واحد منهما ينحصر في مجاله الخاص بالذات. فالتعاليم التي تخص الروحانيات نستمدها من الكتابات المقدسة فقط وليس من تعاليم النور الطبيعي، أي العقل. وبالتالي فالمعرفة القائمة على الوحي تتمايز كلياً عن المعرفة الطبيعية أو العقلانية سواء فيما يخص موضوعها أم مبادئها الأساسية أم وسائلها ومنهجيتها. نستخلص من كل ذلك ما يلي : بما أن هذين النمطين من المعرفة مختلفان كلياً فإنه يمكن لكل واحدة منهما أن تمارس فعلها داخل مجالها الخاص دون أن تتناقض مع المعرفة الأخرى أو تدخل في معركة معها” …
عندما نقرأ هذا المقطع وسواه نتوهم أن سبينوزا حل المشكلة عن طريق تحاشيها! فالفيلسوف العقلاني يتفلسف ويدرس الطبيعة دون أن يأخذ الكتابات المقدسة بعين الاعتبار أبداً. ورجل الدين (أو المؤمن) يقرأ الكتابات المقدسة أو يفسرها دون أن يأخذ بعين الاعتبار المبادئ الفلسفية أو العقلانية الخارجة على الوحي. بمعنى أن حل العلاقة بين هذين القطبين الكبيرين تكون عن طريق اللاعلاقة : أي الفصل الكامل والقطيعة المطلقة. ولكن هل هذا ممكن؟ وهل ترك رجال الدين غاليليو يفسر الطبيعة على هواه؟ ألم يجبروه على التراجع عن مقولة دوران الأرض حول الشمس لأن الكتابات المقدسة تقول بعكس ذلك؟. في الواقع إن سبينوزا لا يجهل كل ذلك. ولكنه يتقدم في أرض ملغومة، هو يعرف أن أي خطأ يرتكبه سوف يُستخدم من قبل الأصوليين المسيحيين واليهود للإنقضاض عليه. فهم يشتبهون به مثلما كانوا يشتبهون بديكارت وأكثر. ولذلك فالحذر الشديد لازم، والفكر مشروط باللحظة التي يظهر فيها. وعظمة الفكر تكمن في حجم المقاومات التي يثيرها أو المخاطر التي يتحداها والتي تحيط به من كل الجهات. فالفكر ليس نزهة مريحة في واد من الزهور، وليس سيراً في طريق سهل، مفتوح إلى ما لا نهاية. الفكر في كل خطوة يخطوها، بل وقبل أن يخطو خطوة واحدة، يشعر بأنه يصطدم بالعقبات ويشعر بأن هناك مقاومة تعرقل تقدمه وتحاول إيقافه في أرضه أو وأده في مهده. الفكر، بالمعنى القوي للكلمة، هو تحرير من كل التراكمات المترسِّبة والإكراهات التي تضغط علينا وتسدّ الطريق.
عندما نتقدم في قراءة كتاب سبينوزا عن اللاهوت السياسي نلاحظ أنه لم يتقيد بالمبادئ الحذرة وربما التمويهية التي نصَّ عليها في المقدمة. فهو كان مضطراً لأن يتقدم مقنَّعاً، لأن يراعي الجو العام المحيط. والفلسفة بنت وقتها وعصرها كما يقول هيغل، ولا يمكنك أن تخرج كلياً على عصرك أو أن تهمل مشروطيته التاريخية. مهما تكن عبقرياً وسابقاً لزمنك فإنك مشروط بمصطلحاته، ولغته، ومسموحاته ومحرَّماته. يبتدئ سبينوزا الفصل الأول من كتابه بتحديد النبوة قائلاً بأنها معرفة يقينية أو محققة.
ولكن منذ الفصل الثاني نلاحظ أنه يقول لنا بأن الوحي يختلف من نبي إلى آخر بحسب طبعه، ومزاجه، وخياله، وظروف عصره. وبالتالي فنحن مضطرون لاستخدام النقد العقلاني من أجل فهم معنى كلامهم.
المزيد