سفر العدم والجنون أو بداية الانقطاع وموت الله في غزة

يناير 11th, 2009 كتبها سعود سالم نشر في , شعر, فلسفة

121110

في قعر الكأس يترائى الله ميتا مستلقيا على الرصيف عاريا بلون الإسفلت جثة منتفخة ينخرها الدود في قعر الكأس يرى ولا يرى ميتا تحوم حول رأسه ذبابة خضراء وذبابة زرقاء تبحث في جيوبه عن سر الخلود مات الله سكرانا غريقا في كأس النبيذ هو الذي لم يكن ولا يكون ولن يكون مات مرة في جنين دهسته دبابة ومرة في قهوة الرشيد مسحوقا مثل بعوضة بحذاء الملك الجديد ومات الله مرة مختنقا بدخان سيجاره مصروعا مصعوقا محترقا إلى الأبد في الجحيم ومات مرة مذبوحا بسكين الحقيقه الرحمن الرحيم فمن يسلخ جلد الذبيحة ويقرأ قصيدة التصوير لا إله إلا أنا خالق الله العظيم وشيطانه الرجيم والجنة والنار وأساطير الأولين والآخرين لا إله إلا أنا متوهجة مضيئة عارمة كالطوفان تسمي الأشياء فتكون تبدع العدم من الوجود والوجود من العدم وتفجر اللغة جسر الجنون وتنتشي برحيق القلق وتنفخ في الريح أشباحا للعيون جدارالصمت حضورا وحجرا في بحيرة الغثيان وتستريح في ظل الكلمات وتبقى تتجذر تتشيأ تترسخ دواما يعبق بالسكون رائحة الكبريت والدخان في الأنفاق والعجز طعم الزفت والقطران والظلمة تلتهم إنعكاس الصور في المرايا أثر الحرائق أزمنة الدهاليز المغلقة شفافية الوعي تبطن المطلق ترسم بحروف الجمر ألف و ألف وبينهما نون ترقص عارية لباسها الكون مسافتها السماء والأفق فضاءها محطة وعرش وصولجانها ياء نهائية صك العبوديه ونص القصيدة يتبرعم وحش الرؤيا زمانها يتوجها مركزا وكفنا يلف الإنفجار منبع الرغبة عاصفة الغبار دواما يعبق بالسكون والزوال عطرينقصه الثبات فراغ بارد الحواشي يرتشف لألأة الضياء ويرصع التوابيت المآسي أرقاما فضاء مربع يتكعب رحيقا بياض ينهش جذور الوميض ويفتق جثث الرموز نقاء يختزل الإشارات شفافية تفجر جدران الأرق لزاجة ودائرة الملح عبور يتسرب المضمون منه والدليل بوابة تحرسها الآلهة والأنبياء والكلاب تحاصر الجثث المعلقة بين الفراغ والفراغ بالأسلاك حديقة الشمس مسيجة بالشاشات والعيون والأشباح يترنح العري بادرة فكرة على حافة الزمن الذرة غبار والرماد أجيج الحديد والزجاج والرخام اللهب ينهش صلابة العناصر ينخر صلابة الإلتهاب صريرا تترنح الأبراج ويهتز العرش يتمايل الأمل واللهفة توابيتا عائمة تتأرجح فوق خطوط الماء ويغرق زورق الهجرة ف راغ أبيض التسطيح أشرعة شراشف الفقرهاجرها النسيم أوروك المضيئه تترائى من بعيد بطاقة الحياة غابة الأرز موت كسول يتبطن بوعد الفناء حفيف الأوراق ورائحة الفطر المضئ في الزوايا نسيان نبتة ا

المزيد


الصورة بين العرض والتمثيل عند غادامير… زهير الخويلدي

أكتوبر 14th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة

لاشك أن العصر الذى نحيا فيه هو عصر الصورة، فالثورة الرقمية جعلتنا نسكن شبكة من الرموز وليس كوكبا وتكاثر وسائل الاتصال قربت بين المسافات وعجلت بظهور الإنسان المرآوى وجعلت الكون بأسره يتحول إلى شاشة عملاقة تحدد نمط العلاقة بين الأفراد وطبيعة الرؤى والمنظومات الرمزية التى تتوسط بينهم والعالم، وبدأ البعض يتحدث عن نهاية الكتابة وسطوة المرئى وبشر البعض الآخر بالتحول الذى حصل للصور من مجرد وسائط إلى خميرة للإبداع ومادة للتفكير. بيد أن التفكير فى الصورة لا يعنى فقط تتبع مسارها التاريخى ورصد لحظات ضعفها وفترات مجدها ولا يتوقف أيضا على علاج إشكالية ترددها بين الحياة والموت كما فعل ريجيس ديبرييه أو الدعوة إلى عقد القران بينها وبين التطورات التقنية ومجتمع الفرجة مثلما صنع غى بور ليرتبط عصرها السحرى بظهور اللوغوسفير وعصرها الجمالى بالغرافوسفير وعصرها الاقتصادى بنشأة الفيديوسفير كما نجد ذلك عند جان بودريار وغى بوربل يتعدى ذلك نحو تقصى تأثيراتها على الوعى والعقل والإحساس وانعكاساتها على الفن والدين والإنسان وشكل حضوره فى العالم والبحث فى علاقاتها بأصول الأشياء التى تصورها والنسخ التى تنتجها والألعاب التى تنخرط فيها ومساءلة أنماط وجودها المترحلة بين الوسيلة والغاية وبين الشكل والمضمون وبين التزيينى والمناسباتى والاهتمام بعلاقة الصورة بالعرض والتمثيل والمحاكاة والخبرة الحية. ما نلاحظه هو وقوع الأوساط الفكرية فى الخلط والتحريف عند ترجمة المفردات الفرنسية التالية: image وfigure وforme بكلمة واحدة هى الصورة رغم أن الكلمة الأولى متأتية من الكلمة اللاتينية imago والكلمة الثانية قد تعنى الشكل والثالثة تفيد الإطار الذى توضع فيه ، فماهى الترجمة التأصيلية للكلمة الألمانية Bild؟ وهل هى مجرد صورة متخيلة أم أنها ممثل عن الحقيقة المادية؟ من هذا المنطلق قام الفيلسوف الهرمينوتيقى الألمانى المثير للجدل هانس جورج غادامير “1900-2002″ بالاستشكال الأنطولوجى لمصطلح الصورة أول مرة فى كتابهالحقيقة والمنهجحيث بين التناسج الأنطولوجى بين الصورة وأصلها وقام ببناء هرمينوتيقا فلسفية تعيد تعريف مفهوم الفن بشكل مغاير عن التعريفات السائدة وتقوم بنقد الوعى الجمالى وتعتمد على اللعب كمبدأ تفسيرى وتجسد ذلك فى طرحه للأسئلة التالية: أى نمط وجود يمكن أن تحتله الصورة؟ ماهو الأمر المشترك بين مختلف أشكال الصور؟ هل يمكن تطبيق نمط الوجود الجمالى الذى يجعل من اللعب مفتاحا للتفسير الأنطولوجى على الصورة؟ ما علاقة الصورة بالأصل الذى تصوره؟ هل هى مجرد نسخة أم أنها عرض مضاعف للأصل؟ لكن إذا كان العرض هو نمط وجود العمل الفنى كيف تساعدنا الصورة على التحقق من معنى العرض؟ ما الفرق بين الصورة المتخيلة والصورة المرآوية؟ هل الصورة غاية أم وسيلة؟ هل تمثل الصورة الشخصية نسخة ذاتية أم أنها فى إعادة الإنتاج تدليل على ما يستنسخ؟ كيف تمتلك الصورة وجودها الخاص المستقل عن الأصل؟ هل الصورة مجرد عرض لأصل أم أنها تتخطى ذلك؟ إلى أى حد يصح قول غادامير بأن الصورة تتمتع بمكانة أنطولوجية ايجابية؟ كيف يفسر فيلسوف الهرمينوتيقا تدحرج قيمة الفن؟ ولماذا التجأ إلى نقد الوعى الجمالي؟ وماذا يقصد بفنومينولوجيا الصورة؟ ما علاقة الصورة بالتزيينى والمناسباتي؟ وكيف يؤدى الاعتماد على مفهوم اللعب إلى فهم البعد الأنطولوجي؟ من ناحية أخرى إذا كان هيدجر قد بين أن حقيقة الأثر الفنى هى شيئية شيئه وكانت الصورة أحد الآثار الفنية فهل يحوز لنا أن نتساءل عن صورية الصورة؟

ان رهان غادامير ليس التخلى عن الفن أو البحث عن بديل عن الصورة بل إبراز الوظيفة الأنطولوجية للصورة وإعادة تعريف الظاهرة الجمالية وذلك بإحراز أفق يربط بين الفن والعالم ويصالح بين الإنسان والتاريخ ويماهى بين الجمال والحقيقة.
حالة الفن فى عصر الصورة:
بعزلنا الفن عن ارتباطاته بالحياة وعن الشرائط التى نقاربه بها فإنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على الجدار“[2]. الفن يزيد من قدرة الإنسان على أن يصور الأشياء الموجودة فى العالم وعلى أن يتخيلها فى وضعيات أفضل ويصنع منها عوالم أرحب وقد جعل الناس من الفن يعبر عن الجمال وينتج الحقيقة فى الآن نفسه ويظهر ذلك فى الطاقة الهائلة التى تكتنزها الآثار الفنية على إنتاج المعنى وإضاءة المناطق المظلمة وفتح الفضاءات المغلقة. انحطاط الفن فى الحقبة المعاصرة هو حقيقة ساطعة وأمر ظاهر وبادى للعيان حسب غادامير من عدة نواحى أهمها غزو العقلية التجارية للفن وانحدار الخلق الفنى إلى مجرد إنتاج صناعي، علاوة على احتلال الوعى الجمالى المكانة التى كان يحتلها الذوق الفنى واتصاف هذا الوعى بالتجريد وادعاء الشمولية على الرغم من آنيته ومسايرته للبنى التقليدية. من جهة أخرى يذكر غادامير استعادة جماليات العبقرية نظرية الإلهام والتوسط والحدس والتقمص وعزل الأعمال الفنية عن الحياة والتعامل معها كمجردات ورموز مغلقة على ذاتها ولا تشير إلا إلى بعضها البض وحتى لغتها السرية فلا يفهمها سوى مبدعوها. وتأكيدا لهذا النقد لعلم الجمال الكانطى نجده فى كتاب آخر عن هيدجر يرى أن :”ما نخبره فى الجميل- وفى الطبيعة وفى الفن كذلك- هو الانتعاش الكلى والتفاعل الحر لجميع قوانا الروحية. فحكم الذوق ليس معرفة ولكنه ليس حكما اعتباطيا. وهو ينطوى على ادعاء الشمولية التى يمكن أن تؤسس استقلالية العالم الجمالي. ويجب أن نقر بأن هذا التسويغ لاستقلالية الفن كان المنجز العظيم لعصر التنوير من خلال الإصرار على قداسة القوانين والاستقامة الخلقية. فكانت هذه على نحو خاص هى الحالة تماما فى إحدى نقاط تاريخ ألمانيا عندما كانت الحقبة الكلاسيكية للأدب الألمانى من خلال تمركزها فى فايمر تسعى إلى تأسيس نفسها دولة جمالية، فوجدت تلك الجهود فى فلسفة كانط تسويغها المفهومي. ومع ذلك كان تأسيس علم الجمال على ذاتية القوى الذهنية بداية عملية التذويت الخطرة“[3]. عيب هذا الاتجاه أنه فهم العمل الفنى على أنه تموضع للروح وتصور الفن على أنه تحلى الروح على مستوى الحدس الحسى للعالم لأن الفن حسب رأيهم وبالمعنى الحرفى للكلمة هو حدس العالم.عيب الكانطية المحدثة التى قضت على علم الجمال المثالى أنها رفضت الاعتماد على المفاهيم عند التعامل مع الأثر الفنى واعتقدت فى وجود منهج موصل إلى الحقيقة ولكن هذا خطأ حسب غادامير لذلك نجده يقول:” هذه الحركة الفلسفية المهيمنة كانت قد أحيت الأساس الكانطى للمعرفة العلمية من دون استعادة الأفق الميتافيزيقى الذى يقع عند أساس وصف كانط للحكم الجمالى وأعنى بذلك نظام الوجود الغائي. وبالنتيجة تعبأ التصور الكانطى المحدث للمشكلة الجمالية بأحكام مسبقة فريدة، وعرض موضوعة مقال هيدجر يعكس بوضوح هذه الحالة“[4]. لا ينظر الوعى الجمالى إلى الفن إلا من جهة الشكل الجمالى أو الصورة الفنية غافلا عن أن الجميل الفنى هو مفهوم حديث نسبيا وطارئ على التجربة الفنية وهو لم يكن أبدا منعزلا عن سائر أشكال حياتنا الإنسانية ولذلك يدعو غادامير إلى إعادة بناء الوعى الجمالى بتبصيره بماهية الفن وتمكينه من تحصيل الحقيقة فى الأعمال الفنية. عيب الحداثة الفنية أنها أهملت قضية الرمز فى الفن وبخاصة فى فن التصوير إذ أن الطابع المميز لفن عصرنا أنه يفتقر إلى الرمزى ولا يستعدى الموضوعات الأسطورية الرمزية فى الدراما القديمة والشعر الملحمى من أجل تصوير العالم الدينى ولفهم القدر الإنساني“.
فالحقيقة الواضحة للعيان هى أنه قد حدث فى عصرنا تحول بلا انقطاع فى مسار الفن التقليدى العظيم المتوارث عبر العصور الماضية، كما وقع اختزال الفن فى العرض وجعل كل عمل فنى فى صورة واختزلت الصورة فى الإطار الذى يحتويها وعلقت على الجدار من التفرج عليها، يقول غادامير حول هذا الموضوع:” إنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على جدار“[5]. النظرة الاختزالية تظهر فى الحاجة إلى المكان والتأطير والوضع جنبا إلى جنب وقد تسبب فيها الوقوع ضحية الاستخدام العام للصورة: “نحن نفهم من هذه الكلمة الصورة الحديثة المؤطرة التى لا تحدد بمكان معين وإنما تعرض نفسها ب

المزيد


مهمة الفيلسوف

أكتوبر 11th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة

يعتبر المفكر الفلسطيني الدكتور أحمد برقاوي من أبرز الوجوه الثقافية والفكرية في العالم العربي، فإلى جانب كونه باحثا وأكاديميا في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، لا ينفك برقاوي عن المشاركة في المؤتمرات والندوات الفكرية العربية، إضافة إلى تحليله الدقيق للواقع العربي ورصده للهموم التي يعانيها المواطن العربي، عبر سلسلة من الكتب التي تبدأ بتأريخه لمفهوم النهضة العربية، وتقديمه تحليلا دقيقا لأسباب انهزام الآيديولوجيات العربية، مروا ببحثه الدقيق حول غياب الأنا الحر في العالم العربي، وانتهاء بتوصيفه الدقيق لظاهرة العلمانية في العالم العربي ، فضلا عن دوره الكبير في مجال اللغة العربية كونه عضو لجنة التمكين في مجمع اللغة العربية. وبعيدا عن نقاشاته الفلسفية العميقة التي تأخذ طابعا تهكميا في بعض الأحيان، يبدو برقاوي أكثر تواضعا في حواراته الصحفية ونقاشات مع طلابه الذين يكنون له احتراما كبيرا، ما يجعل الحوار معه يكتسب طابعا مختلفا. * فيما ينشغل أغلب المفكرين العرب في الهموم المعاصرة لعالمنا العربي، تبدو أنت وكأنك تغرد خارج السرب، بدليل أنك أصدرت منذ عامين كتابا عن الأنا. هل توافقني الرأي؟** أبدا، كتاب الأنا ليس تغريدا خارج السرب، على العكس هو في صميم المشكلة التي نعيش، لأن العرب عموما قد نسوا الإنسان، وأنا أريد أن أعيد لهذا لإنسان مكانه وموقعه في عالمنا، بل أريد للأنا أن تتحول إلى قيمة حرة في ذاتها كي تقدر على صناعة التاريخ، وبالتالي كتاب الأنا ليس كتابا ميتافيزيقيا عن مشكلة لا تهم إلا عددا قليلا من الناس، على العكس كتاب الأنا يهم كل إنسان في هذا العالم العربي.وبالتالي أنا أدافع عن الأنا الحر الذي كبل بكل أنواع الأغلال، بدليل أنك موجود في هذا العالم العربي، هناك سلطة وإيديولوجيا تقمعك ودين وعادات وتقاليد تقيدك، فإذا كيف ستصنع تاريخا وأنت لا حول لك ولا قوة، وفي حال فقد الأنا حريته تحول إلى أداة، أي فقد إنسانيته، ودون أن نعيد للأنا إنسانيته لا يمكننا إطلاقا أن نحقق أي إنجاز على مستوى المستقبل الإنساني.* هل تريد أن تقول:إن الأزمات التي نعيشها في المنطقة العربية تعود، بمعنى من المعاني، إلى غياب الأنا الحر والفاعل، بدليل أنك تقول في كتابك: تاريخنا هو تاريخ غياب الأنا وليس تاريخ حضوره؟ ** بالضبط، هل تعتقد أن هذا الخراب الحاصل في العالم العربي كان يمكن أن يحصل لو الأنا حاضرا؟ وأدو أن أشير هنا إلى أن السلطة في العالم العربي التي هي عبارة عن عصبيات قوية تكونت تاريخيا وأنتجت سلطاتها ولا تريد أن تتغير إطلاقا مع تغير المجتمع، وبالتالي لا تريد لأي أنا حر أن يعبر عن ذاته بقوة الرفض والتمرد والـ لا، لكنها تريد أن تدجّنه ليغدو كل ما في فيه نعم، لكن المسؤولية عن الوضع القائم لا تنحصر فقط في السلطة السياسية، هناك الدين في حضوره الراهن أيضا، إضافة إلى الدور الذي تلعبه القوى الغربية. *لكن البعض يقول أنك تنزع في كتابك هذا إلى النرجسية أو الفردية، بمعنى أنك تعود للكوجيتو الديكارتي أنا أفكر أنا موجود مرة أخرى. ** على العكس، أنا لست نرجسيا ولا فرديا، لكن ربما أفكر بطريقة تفاجىء الآخرين، بمعنى أن العامة وأشباه العامة يفرحون عندما تفكر مثلهم، لكن عندما تفكر على نحو آخر فتصدم أفكارهم المسبقة، يقولون عنك أنك فردي أو مغرور وإلى ما هنالك، دعني أقول لك: أنا أحب جميع الناس وأفكر بحياتهم وهمومهم، لكن ما ذنبي إذا كان العالم خرب إلى الحد الذي لا أجد فيه إلا اللغة القاسية لنقده وفضحه؟ أنا أريد أن أفضح العالم، وهذه هي مهمة الفيلسوف الذي يحاول أن يقبض على حقيقة الأشياء ويكشف عن معنى وجود البشر. أما بشأن الكوجيتو الذي ذكرته، فالتفكير لا يكفي للوجود، لأنه لا بد من التمرد أيضا، ربما هذا يحيلنا إلى ألبير كامو الذي يفرق بين مفهومي التمرد الذاتي والتمرد الميتافيزيقي،حيث يعني الأول أن يتمرد الإنسان بهدف تحقيق منفعة شخصية، بمعنى أن ترفض وجودك موظفا في هذه الدائرة، وتريد أن يصبح مديرا، وعندما تتحقق تكف عن التمرد، في حين يعني الثاني-والذي أنشده- التمرد على الوضع العام، أي التمرد على غياب الحرية والاضطهاد الكلي أو التمرد ضد السلطة السياسية،وبرأيي أنه على الإنسان أن يظل متمردا حتى ولو تحققت أهدافه في الأرض، لأنه يجب أن يسعى دائما إلى ما هو أفضل، وهذه هي الحرية. *بمناسبة الحديث عن الحرية، كيف تعرف الحرية؟ ومتى يكون الإنسان حرا؟ وما قصة نزعة الإطلاق التي نجدها في مقالك عن الحرية المطلقة؟ ** الحرية كما عرفتها في كتابي الأنا هي: زوال المسافة بين الأنا الظاهر والأنا الخفي، بمعنى أني عندما أ

المزيد


زينون

سبتمبر 17th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة

achtor

  الجدل من أكثر القوانين عمومية التى تحكم تطور الطبيعة والمجتمع والفكر. وقد سبق التصور العلمى للجدل تاريخ طويل من التطور. لقد أكد الفلاسفة فى القديم تأكيدا قاطعا تحول الوجود واعتبروا العالم صيرورة. وافترضوا تغير فى كل شيء. ونجد هذا عند هيرقليطس وبعض الفلاسفة الملطيين، والفيثاغوريين. غير أن مصطلح الجدل لم يكن قد استخدم بعد. ومصطلح الجدل فن الجدل يعنى فى الأصل فن النقاش والتجادل أى فن الجدل بطريقة الأسئلة والأجوبة. وقد اعتقد أرسطو، الذى لم يفهم علم الجدل عند هيرقليطس، أن الجدل من اختراع زينون الأيلى الذى حلل الجوانب المتصارعة فى مفهومى الحركة والتعدد. وقد فرّق أرسطو بين الجدل، أى علم الآراء والاحتمالية، وعلم التحليلات أى علم البراهين. يمكن اعتبار زينون الإيلى أبو الجدل. فزينون وجد فى بداية عصر السفسطائيين، وكانت للفلسفة فى زمانه منزلة عظيمة، فقد كان حكام أثينا وأصحاب الرأى فيها يستقدمون الفلاسفة ويستضيفونهم فى بيوتهم ويغدقون عليهم الأموال ويستمعون إليهم ويتعلمون على أيديهم. وزينون يعتبر من المدرسة الايلية وأستاذاها برمنيدس. ولقد قال برمنيدس أن الوجود واحد ثابت، وقد آمن بذلك تلميذه زينون وأراد أن يدافع عن مذهب أستاذه الوجود الواحد الثابت، فلجأ من أجل ذلك إلى طريقة غير مباشرة، فاستعمل الجدل والمنطق وحدة ذكائه ووضع حججه التى كان يقصد بها البرهنة على أن كل المذاهب التى تقول بالكثرة والتغير والحركة تفضى قطعاً إلى التناقض. وعن هذا الطريق يثبت الأصل ببطلان النقيض. ويلاحظ أن الدقة المنطقية ودقة الاستدلال عند زينون كانت دقة واضحة. وقيل أن زينون بهذا المنهج كان سفسطائياً. نعم، كان سفسطائياً ولكنه كان ذكياً جداً، إنه كان يريد الدفاع عن مذهبه بأى سبيل فأوجد تلك الحجج التى تدل على الذكاء المفرط والعبقرية، فهى تكذب بالواقع المشاهد حتماً ولكن العقل لا يستطيع تكذيبها، بل إنها تضعه فى حيرة وذهول، لأنها تسير حسب أصول المنطق الصحيح. وقد قال أرسطو عن زينون أنه مؤسس علم الجدل، من حيث أنه كان يسلم بإحدى قضايا خصومه ويستنتج منها نتيجتين متناقضتين ويثبت بذلك بطلانها . أما حججه وكيف وصلت إلينا فقد احتفظ سمبلقوس بحججه عن إبطال الكثرة بعباراته نفسها. وقد ساق أرسطو بعض حجج زينون فى إبطال الحركة وصاغها فى لغته الأرسطية. أن حججه فى نقد الكثرة غير مهمة. أما حجج زينون فى نقض الحركة، وفى اللا تناهي، فهى المهمة، وسوف نذكرها باختصار، فأغلبنا يعرفها: 1- الحجة الأولى وتسمى الثنائية لأنها تقوم على القسمة الثنائية المتكررة، وتتلخص فى أنه لكى يمر جسم من مكان إلى مكان آخر، لا بد له أن يمر بكل المسافات الموجودة بين كلا المكانين، وعلى هذا فإذا تحرك جسم من – أ – لكى يصل إلى – ب – فإنه لا بد أن يمر بالمنتصف وليكن – ج -. لكن قبل أن يصل إلى – ج – لا بد له أيضاً أن يكون قد مر بمنتصف المنتصف وليكن – د – ولكن أيضاً قبل أن يمر بالنقطة –د – أن يمر بمنتصف الربع، وهكذا دواليك. فإذا كان التقسيم لا متناهياً فإنه لا يمكن أن يصل إلى النقطة المطلوبة وهى – ب – إلا إذا مر بما لا نهاية له من النقاط، ولما كان من غير الممكن أن يقطع جسم ما لا نهاية له من النقاط فى زمن متناه، فمعنى هذا أنه لا يمكن مطلقاً أن يصل الجسم إلى هدفه، أى لا يمكن للحركة فى المكان أن تحصل. فعلى أساس المقدمة الأولى، الحركة إذاً غير ممكنة. 2- الحجة الثانية. يقول زينون فيها إن أسرع العدائين لا يمكن أن يلحق بأشد الأشياء بطئاً فى الحركة إذا كان هذا الشيء سابقاً له بأى مقدار من المسافة. فإذا تصورنا مثلاً أن أخيل وهو العداء السريع موجود فى مكان ما وأن هناك سلحفاة تسبقه بمسافة ما، فإذا بدأ الاثنان معاً الحركة فى لحظة واحدة،

المزيد


سورن كيركغارد … فاضل سوداني

يوليو 19th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة

906sao

 الفيلسوف الدانماركي سورن كيركغارد الذي عاش  حياة قصيرة (1813-1855) استطاع أن يقلب الكثير من المفاهيم الفلسفية من خلال استثماره لموضوعات ومقولات الحياة اليومية المشبعة بالعبث واللامعقول والعاطفة والقلق اليومي وتعابير الرغبة الاروتيكية، وهو بهذا جعل من الحياة اليومية مدخلا الى فلسفته التي تبتعد عن المفاهيم الميتافيزيقية، والتجريدات التي استندت الى عقائدية وجاهزية التفكير النظري المجرد، وجعل اشكالية الوجود باعتبارها اشكالية الكائن ضمن الموقف.إن فلسفته كانت مونولوجا داخليا متوترا، وكان يريدها أن تكون تعبيرا عن وجوده الخاص الذي هو نسيج من المتناقضات، وان يستخرج من اعماقه ما يشعر به من ألم وعذاب ومعاناة ليكون نظرية عن الانسان بصفة عامة، فما يعانيه من قلق ويأس وشعور بالخطيئة ومرض نفسي… الخ ليس حالة خاصة به وحده، لكنها تمثل عوامل تتألف منها الذات البشرية * لقد كان كيركغارد يعتبر مؤسسا حقيقيا لفلسفة الذات باعتبارها مركز الوجود، انه الاب الروحي للفلسفة الوجودية المؤمنة في القرن التاسع عشر، وهو بهذا فتح المجال امام المفاهيم الوجودية في القرن العشرين.لقد اقلق كيركغارد معاصريه ومازال يقلقنا حتى الآن لانه عالج مقولات فلسفية وجودية تخص جوهر وجود الانسان وذلك من خلال علاقتها بحياة الفرد واختياراته الواعية والتي مازالت تمتلك حيويتها. ولا يمكن فهم فلسفة كيركغارد إلا بوضعها ضمن مفاهيم عصرها بسبب التغيرات التي طرأت على الكثير من مجالات الفلسفة وموضوعاتها في الوقت الحاضر، حيث يفصلنا عنه اكثر من قرن ونصف القرن. إن سورن كيركغارد عاش حياة معلقة على وتر فوق هاوية الوجود الهامشي، وقد كان يعي العمق السحيق لهذه الهاوية، لذلك فقد كانت مهمته تكثيف شعور الانسان من خلال القلق والرعب تحذيرا من السقوط في الهاوية. وبما أنه حاول دائما العمل على تحويل الفكر الى ممارسة عملية مرتبطة بالحياة فان معاركه الفكرية كانت دليلا على امتزاج الفكر بالحياة، سواء كانت هذه الصراعات في المجالين الفكري او الديني وخاصة معاركه مع الكنيسة الرسمية آنذاك، بحيث منحت الفكر العملي امتياز التفرد في الحياة والابتعاد عن الفكر الغيبي. لذلك فان الكنيسة شنت هجومها العنيف ضد افكاره اللاهوتية المصيرية الصائبة ولم يكن لديها سلاح فعال سوى محاولة غير مجدية في تحويل افكاره الى ثرثرة في الشارع الغوغائي. إن معاركه كانت متمركزة حول الذات البشرية من خلال ايمانها وعلاقتها المطلقة بالله المطلق بدون اي وسيط آخر كالكنيسة او الرهبان الذين كان يعتبرهم موظفين لدى الدولة. لكن الكثير من رجال اللاهوت والكنيسة درسوا فلسفة كيركغارد بروح غير متحيزة بعد ذلك، فاكتشفوا اهمية فلسفته وامكانية عقله الفلسفي التركيبي والتحليلي، وذلك فقط عندما انتشرت فلسفته خارج وطنه الدانمارك. وهذا قدر المفكر المتفرد الذي يرى المستقبل بشكل واع .إن الفلسفة الوجودية تعرضت للكثير من المغالطات والادراكات الهامشية لذلك تحتم الضرورة على دراستها بشكل اكاديمي ونقد واع. وقد قام بهذه المهمة الدكتور عبدالرحمن بدوي. اما الدكتور امام عبدالفتاح امام فقد درس فلسفة كيركغارد بكتابين مهمين (1) حيث حلل في كتابه الاول فلسفة كيركغارد باعتبارها فلسفة للذات البشرية المتفردة من خلال مناقشته للكثير من الفلاسفة والباحثين اضافة الى تحليل الملامح الشخصية للفيلسوف الدانماركي باعتباره ذاك الفرد والعوامل المؤثرة في بناء شخصيته. وقد اسهب الدكتور امام في دراسة حياة كيركغارد بشكل كبير، ويعتبر هذا مدخلا مهما للوصول الى العوامل الاساسية في تكوين عقله الفلسفي، والمتناقضات التي عاشها في حياته الخاصة. وقد استعرض أيضا قضية اساسية هي المعارك الفكرية التي خاضها الفيلسوف وخاصة معركته الشهيرة مع صحيفة القرصان وصراعه مع الكنيسة الرسمية التي اتهمها بالتزوير والتزييف لمهمتها الدينية، حيث اخذت على عاتقها آنذاك مهمة مشابهة لمهمة ارسال الناس الى الجنة مقابل خمسة دولارات كما يسخر كيركغارد ذاته من وظيفة الكنيسة الدينية.أما الكتاب الثاني والذي نحن بصدد قراءته تفصيليا فان د. إمام استعرض فيه بشكل دقيق مكونات فلسفة كيركغارد وتأثرها بالفكر الهيجلي في بداية حياته ثم اعتماد مبدأ الشك والرفض لكل فلسفة أخرى (ما عدا التهكم السقراطي) من اجل تكوين فلسفته الوجودية المتفردة، التي يحاول من خلالها طرح منهج او فكر فلسفي يناقش فيه امكانية خلاص الانسان، حيث اعتبر نفسه كالشوكة التي تغزنا وترعبنا دائما (لان الفلاسفة عندما يأتون، يرعبون الناس، لكنهم يطهرون الجو). إن حديثنا سيتمركز على الخلل الذي يصيب الذات والذي يشكل شيزوفرينيا الذات في فلسفة سورن كيركغارد، وذلك من خلال كتاب الدكتور امام عبدالفتاح امام الاكثر اهمية - كيركجور -رائد الوجودية - فلسفته - الجزء الثاني.إن فلسفة سورن كيركغارد تحدثنا عن الفرد كمركز للوجود وكمنهج حياة الذات باتجاهها نحو المطلق، نحو الله، ولا يتم هذا الا عندما يمتلك الفرد الوعي الذاتي، وهذا يعني امتلاك الوجود الذاتي، لان الوجود هو الوعي والاختيار الحر.بدون هذا فان الذات البشرية ستعيش في حالة من الاضطراب وعدم التوازن، وتصاب بامراض روحية مختلفة. ان تشخيص امراض الذات اي الشيزوفرينيا الروحية يفترض وعي الانسان بذاته اولا. بدون هذا الوعي فان الذات ستعيش بشكل هامشي ولا معقول وعبثي في الوجود، وحتى تكون لحياة الذات معنى، لابد ان تواجه مشكلاتها - امراضها - بكل قلق وتوتر وجدية.فمهمة الفلسفة الوجودية هي التأكيد على ان الانسان لا يولد انسانا وانما يصير كذلك من خلال وعيه، وتحقيق مشروعه الحياتي، بمعنى ان يكون انسانا، اي ان يكون ذاته من جديد. وقد يفشل في تحقيق هذه الذات - هذا المشروع. لقد اخذ كيركغارد على عاتقه مهمة تعقيد مشكلات وظاهرات الوجود امام الانسان، وهو على حق، لان تعقيد المشكلة فلسفيا يعني وضعها امام المجهر لرصدها ومن ثم حلها، لكن التعقيد متأت نتيجة لتعقيد الحياة ذاتها.من هنا تأتي أهمية دراسة فلسفة كيركغارد باعتبارها فلسفة مهمتها إعادة وعي الذات بنفسها من جديد. لانه من السهولة ان يفقد الانسان ذاته، فهذا لا يثير ضجة كبيرة (كما هي الحال عندما يفقد الانسان ساقه او ثروته او زوجته) لكن من الصعوبة ان يقوم الانسان باسترداد ذاته من قلب المسببات التي تحاول تهميش حياة الفرد، بمعنى ان يختار الانسان ان يكون انسانا من جديد. وهذا يتطلب وعيا وجهدا كبيرين، لأن الذات الواعية هي الذات التي تقوم بنضال شاق لمعرفة نفسها، بعكس الذات غير الواعية، فانها تبذل جهدا متعمدا لنسيان نفسها وسط ضجيج العالم. ان هذا الوعي يعني النظر من خلال الذات الى العالم.. الى الخارج. لذلك فان كيركغارد عدل من مبدأ سقراط الشهير (أيها الانسان اعرف نفسك) الى (ايها الانسان اختر ذاتك) وهذا يعني ان اختار ذاتي بوعي وهي في شرعيتها الازلية من اجل ان تصل الى خلاصها وسعادتها الابدية عند اعتمادها الكلي على المطلق. وهذا هو الاختيار الايجابي في حياة الذات.

المزيد


سبينوزا بين الدين والفلسفة - هاشم صالح

يوليو 11th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة

 

121577

 ما هي المشكلة الأساسية في عصر سبينوزا؟  بل ما هي المشكلة الأساسية على مدار ثلاثمائة سنة من تشكل الحداثة الأوروبية؟ إنها مشكلة الدين والأصولية الدينية. إذا لم نفهم هذه النقطة، إذا لم نعرها الاهتمام الكافي فإننا لن نفهم أبداً جوهر الحداثة ومعاركها الكبرى. عندما نشر سبينوزا كتابه مقالة في اللاهوت السياسي“  عام 1670، فإن ذلك يعني أنه انخرط في إحدى المعارك الرهيبة التي استمرت بعده طيلة مائتي سنة وأكثر. لقد أراد تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم. وأراد أيضاً، وبالدرجة الأولى، البرهنة على الشيء الأساسي التالي : وهي أن حرية التفلسف، أو حرية الضمير والمعتقد والكلام، لا تضرّ أبداً بالسلام العام للدولة ولا تؤدي إلى الفسق والفجور كما يدعي اللاهوتيون. على العكس، إنها شرط أساسي لتحقق هذا السلام ولشيوع الاستقامة والنـزعة الأخلاقية في المجتمع. وبالتالي فلا ينبغي التضييق على الحرية الفكرية أو الفلسفية ما دامت تعبر عن نفسها داخل حدود القانون.
في الواقع إن هذا الكتاب يمثل أول تدخل لسبينوزا في الشؤون الدينية والسياسية لزمنه. ولذلك فهو يحتل مكانة خاصة بين أعماله. فهو قد ظهر في مرحلة حرجة من تاريخ هولندا. فالجدالات اللاهوتية كانت عنيفة بين مختلف الطوائف المسيحية وبالأخص البروتستانتية الكالفينية التي كانت تشكل دين الأغلبية. وذلك على عكس فرنسا، أو إسبانيا، أو إيطاليا حيث يسيطر المذهب الكاثوليكي بشكل مطلق تقريباً. وقد أدت هذه الصراعات اللاهوتية بين مختلف الطوائف البروتسانتية إلى انتصار المذهب الكالفيني أولاً، وذلك قبل أن يحصل تعايش سلمي إلى حد ما بين مختلف هذه الطوائف. وهو تعايش فريد من نوعه في أوروبا آنذاك. فمعظم الدول ما كانت تقبل إلا بمذهب واحد في أراضيها، وكانت تحرِّم كل المذاهب المسيحية الأخرى تحريماً قاطعاً باعتبار أنها منحرفة عن الخط المستقيم للدين المسيحي، أي عن الأرثوذكسية. وبالتالي فهي مهرطقة، أو زنديقة، ويحل تكفيرها وإدانة أتباعها وحرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية. وهذا ما فعله المذهب الكاثوليكي في فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، مع البروتستانتيين. وحدها انجلترا كانت تمشي في اتجاه التحرر من الطائفية والمذهبية، أي في الإتجاه الذي سلكته هولندا. بالإضافة إلى الصراعات اللاهوتية المذكورة كانت هناك صراعات على السلطة. وهي صراعات اندلعت بين عائلة أورانجالملكية، وبين المجالس المحلية التي تحكم المدن والأقاليم .

فبعد موت الملك غيوم الثاني وصل إلى السلطة شخص مستنير يدعى جان دوفيت“. وشهدت هولندا في عهده ازدهاراً للعلوم والجامعات. وتم إدخال الفلسفة الحديثة إليها، أي فلسفة فرانسيس بيكون، وديكارت، وهوبز. وانتعشت الحياة الثقافية وشهدت دور النشر نشاطاً كبيراً. وأصبحت هولندا منارة للفكر والآداب في كل أنحاء أوروبا.

وإذن لماذا نشر سبينوزا كتابه؟ لماذا دافع بشكل مستميت عن حرية الفكر في أكثر بلدان أوروبا تسامحاً وليبرالية؟ لأن التسامح لم يكن كلياً ولا كاملاً. فنحن نعيش في النصف الثاني من القرن السابع عشر لا في القرن العشرين، ينبغي ألا ننسى ذلك. وأصدقاء سبينوزا وناشروه كانوا يعرفون مدى محدودية هذه الحرية. وقد دفعوا الثمن غالياً. وثانياً لأنه إذا كانت الدولة متسامحة، فإن الكنيسة لم تكن كذلك. كان هناك تفاوت كبير بين الحاكم جان دوفيت المشهور باستنارته وعقلانيته، وبين رجال الدين المتعصبين. وهو تفاوت أدى في نهاية المطاف إلى مقتل الزعيم الهولندي . وأخيراً يمكن القول بأن جو التسامح الذي كانت تعيشه هولندا كان مهدداً، وسبينوزا أول من يعرف ذلك بحسِّه الفلسفي الخارق. فمعروف أن المتشددين البروتستانتيين كانوا مرتبطين بالنظام الملكي المخلوع ويتمنون عودته لأنهم يكرهون جو الحرية والتسامح ولا يستطيعون تحمل كل هذه الزندقة الفكرية!!. صحيح أن النظام الليبرالي كان يبدو واقفاً على قدميه عندما كتب سبينوزا هذا الكتاب الحاسم في تاريخ الفكر. فزعيم هولندا الذي كان صديقه وحاميه كان يترأس جمهورية مزدهرة بالتجارة وذات مؤسسات راسخة ظاهرياً. ولكن بعد سنـتين فقط من ذلك التاريخ حصل الغزو الفرنسي لهولندا، وتمت تصفية الحكم الليبرالي، وأُعيد النظام الملكي الأصولي إلى سدة الحكم. وهكذا انهارت كل أحلام سبينوزا وصدقت تنبؤاته المتشائمة عن الأصوليين أو اللاهوتيين كما يحب أن يسميهم. فهم أصل العلَّة والبلاء : أي أصل الاستبداد والقضاء على الحرية الفلسفية.

ولكن كتاب سبينوزا، ككل كتاب فلسفي عظيم، يتجاوز الحالة الهولندية لكي يشمل الحالة الأوروبية وربما الكونية بأسرها. وهو يعكس عدة مستويات من الصراع. فهناك أولاً الصراع المتفجر بين اللاهوت والسياسة. من هنا عنوان الكتاب : مقالة في اللاهوت السياسي، أو بحسب ترجمة أخرى : مقالة في اللاهوت والسياسة. وهناك ثانياً الصراع الدائر في أوروبا منذ عصر النهضة بين الكتاب المقدس وفقه اللغة التاريخي أو ما يدعى بعلم الفيلولوجيا. فمعلوم أنه منذ القرن السادس عشر راح بعض النهضويين يدعون إلى تحقيق الكتاب المقدس تحقيقاً لغوياً وتاريخياً من أجل التوصل إلى نسخة صحيحة أو أقرب ما تكون إلى الصحة. وهو تحقيق سوف يؤثر على تفسيره بطبيعة الحال، ولذلك أثار ردود فعل غاضبة في أوساط الكهنة والمحافظين. وقد استعاد سبينوزا هذه المناقشة الكبرى وساهم في بلورتها. وهناك أخيراً الصراع الأبدي الكائن بين الفلسفة واللاهوت، وهو صراع يتجاوز حدود المسيحية الأوروبية لكي يشمل الإسلام والأرثوذكسية الشرقية وسواها. بهذا المعنى فإن كتاب سبينوزا كوني أو يتناول مسائل كونية. إن راهنيَّته بالنسبة للإسلام حالياً تبدو أكثر من واضحة وملحة..

والآن ماذا يقول

سبينوزا؟ عندما نقرأ مقدمته للكتاب يخيل إلينا للوهلة الأولى أنه يتبع أيضاً نفس الحل الذي اتبعه سلفه الأكبر ديكارت. فبما انه حريص على حماية الحرية الفلسفية أكثر من حرصه على إنقاذ الإيمان، فإنه راح يحصر الفلسفة في مجالها، والدين في مجاله لكيلا يعتدي أحدهما على الآخر! يقول مثلاً: “اقتناعي العميق هو أن الكتابات المقدسة (أي التوراة والإنجيل) لا علاقة لها بالفلسفة على الإطلاق. وإنما كل واحد منهما ينحصر في مجاله الخاص بالذات. فالتعاليم التي تخص الروحانيات نستمدها من الكتابات المقدسة فقط وليس من تعاليم النور الطبيعي، أي العقل. وبالتالي فالمعرفة القائمة على الوحي تتمايز كلياً عن المعرفة الطبيعية أو العقلانية سواء فيما يخص موضوعها أم مبادئها الأساسية أم وسائلها ومنهجيتها. نستخلص من كل ذلك ما يلي : بما أن هذين النمطين من المعرفة مختلفان كلياً فإنه يمكن لكل واحدة منهما أن تمارس فعلها داخل مجالها الخاص دون أن تتناقض مع المعرفة الأخرى أو تدخل في معركة معها” …

عندما نقرأ هذا المقطع وسواه نتوهم أن سبينوزا حل المشكلة عن طريق تحاشيها! فالفيلسوف العقلاني يتفلسف ويدرس الطبيعة دون أن يأخذ الكتابات المقدسة بعين الاعتبار أبداً. ورجل الدين (أو المؤمن) يقرأ الكتابات المقدسة أو يفسرها دون أن يأخذ بعين الاعتبار المبادئ الفلسفية أو العقلانية الخارجة على الوحي. بمعنى أن حل العلاقة بين هذين القطبين الكبيرين تكون عن طريق اللاعلاقة : أي الفصل الكامل والقطيعة المطلقة. ولكن هل هذا ممكن؟ وهل ترك رجال الدين غاليليو يفسر الطبيعة على هواه؟ ألم يجبروه على التراجع عن مقولة دوران الأرض حول الشمس لأن الكتابات المقدسة تقول بعكس ذلك؟. في الواقع إن سبينوزا لا يجهل كل ذلك. ولكنه يتقدم في أرض ملغومة، هو يعرف أن أي خطأ يرتكبه سوف يُستخدم من قبل الأصوليين المسيحيين واليهود للإنقضاض عليه. فهم يشتبهون به مثلما كانوا يشتبهون بديكارت وأكثر. ولذلك فالحذر الشديد لازم، والفكر مشروط باللحظة التي يظهر فيها. وعظمة الفكر تكمن في حجم المقاومات التي يثيرها أو المخاطر التي يتحداها والتي تحيط به من كل الجهات. فالفكر ليس نزهة مريحة في واد من الزهور، وليس سيراً في طريق سهل، مفتوح إلى ما لا نهاية. الفكر في كل خطوة يخطوها، بل وقبل أن يخطو خطوة واحدة، يشعر بأنه يصطدم بالعقبات ويشعر بأن هناك مقاومة تعرقل تقدمه وتحاول إيقافه في أرضه أو وأده في مهده. الفكر، بالمعنى القوي للكلمة، هو تحرير من كل التراكمات المترسِّبة والإكراهات التي تضغط علينا وتسدّ الطريق.
عندما نتقدم في قراءة كتاب سبينوزا عن اللاهوت السياسي نلاحظ أنه لم يتقيد بالمبادئ الحذرة وربما التمويهية التي نصَّ عليها في المقدمة. فهو كان مضطراً لأن يتقدم مقنَّعاً، لأن يراعي الجو العام المحيط. والفلسفة بنت وقتها وعصرها كما يقول هيغل، ولا يمكنك أن تخرج كلياً على عصرك أو أن تهمل مشروطيته التاريخية. مهما تكن عبقرياً وسابقاً لزمنك فإنك مشروط بمصطلحاته، ولغته، ومسموحاته ومحرَّماته. يبتدئ سبينوزا الفصل الأول من كتابه بتحديد النبوة قائلاً بأنها معرفة يقينية أو محققة.

ولكن منذ الفصل الثاني نلاحظ أنه يقول لنا بأن الوحي يختلف من نبي إلى آخر بحسب طبعه، ومزاجه، وخياله، وظروف عصره. وبالتالي فنحن مضطرون لاستخدام النقد العقلاني من أجل فهم معنى كلامهم.

المزيد


مناورات لفك الحصار 006

مارس 8th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , فلسفة, نقد الفكر المحاصر

 

 

 

 

 

 
مناورات لفك الحصار
 
"لا تثق بالقصيدة، بنت الغياب، فلا هي حدس، ولا هي فكر، ولكنها حاسة الهاوية.." هكذا يتوجه محمود درويش إلى القارئ في قصيدة بعنوان "رسالة إلى ملك الإحتضار". حيث تبدو القصيدة كأنها تمثل إستمرارية جسد الشاعر ذاته كجلده ويديه وعينه.. أو وسيلته المباشرة لتحسس العالم والأنفاس في حرارة الأشياء وبرودتها الثلجية. تبدو القصيدة كوسيلة أو أداة حسية جديدة لوعي وجود الأشياء، والتغلغل في وجودها المادي. وهو ينفي أن تكون القصيدة حدسا أو فكرا، أي أن تكون وسيلة لمعرفة عقلية تجريدية أو عملية تخضع لقوانين النفي والإثبات. إنها حاسة الهاوية، أداة معرفية لقياس السقوط والهزيمة وزمنية الموت والإحتضار. القصيدة تبدو كمنبع لمعرفة وجدانية ذاتية، أو كثرمومتر إنفعالي لقياس الشعور والأحاسيس والعواطف. ولهذا السبب ذاته يطلب الشاعر من القارئ ألا يثق في هذا المقياس الذاتي، لأن القصيدة مثل أي عمل فني آخر، لايمثل إلا بقايا تجربة وجدانية حسية وجمالية للمبدع ذاته. والقارئ لا يستطيع أن يعيش هذه التجربة مباشرة، وإنما يستطيع أن يعيشها بواسطة "الخيال"، أي بواسطة الصورة التي يضعها المبدع أمام عينيه. وهي في العادة صورة ورقية جافة يابسة، وأحيانا مجرد جثة إنفعال، أو شذرات يائسة من تجربة الشاعر.  
غيرأن محمود درويش في هذه القصيدة يبدو كأنه يلبس ثوب المفكر، ويستعير لسان الفيلسوف، ليدلي للقارئ بـ "فكرة" أولية مفادها أن لا نثق بالشعر، وذلك في قصيدة شعرية بعنوان "رسالة إلى ملك الإحتضار". وعلى القارئ أن يجد طريقه لوحده في هذا التركيب المتناقض .. على القارئ أن يفرز وينقي ويختار الصورة التي تناسبه وسط هذا المتحف المليء بالصور المسمى بالقصيدة، والذي يعتبره الشاعر كوعاء معرفي عام قادر على نفي ذاته كشعر، ليولد في صورة فلسفية أو أخلاقية أو سياسية. وهو في نهاية الأمر إستمرارية للشعر العربي الفلسفي، أي التراث الذي يحتوي الفلسفة كلحظات أو محطات داخل القصيدة أو المقاطع الشعرية، حيث الحسية الشعرية تتجاوز ذاتها في بعض مواقف الإشراقية، للوصول إلى تجريدات فكرية عامة، لتعبر عن فكر محاصر وغير قادر على إفراز نظرية فلسفية شاملة لفهم الإنسان والعالم والعلاقات العديدة بينهما، رغم وجود بعض المحاولات في التجربة الشعرية العربية للتخلي عن القصيدة كتركيب فني، والتعبير عن مواقف فلسفية في لغة تقع خارج حدود الشعر، كما هو الحال مع أدونيس في كتابه "التجربة الشعرية العربية". حيث يؤكد على العكس تماما من درويش، بأن القصيدة هي منبع الفكر وأساس والبنية اللغوية القادرة على فهم الإنسان والعالم. وذلك في مقابل اللغة الدينية والفلسفية مصدر اليقين والإعتقاد والمذاهب. حيث أن العالم في أفق المعرفة الشعرية، أي المجازية، يكون على العكس "منفتحا بلا نهاية، لأنه إحتمال واكتشاف دائمين". ونحن نعرف بأن هذه المقولة تبدو صحيحة على المستوى الذاتي الفردي. غير أن أدونيس يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يشن بطريقة غير مباشرة حربا على الفلسفة والفكر الفلسفي عموما، مؤكدا بأن الشعر هو المفتاح الوحيد القادر على فتح أبواب المعرفة الموصدة منذالقدم، باعتباره اللغة كوعاء وحيد يحتوي كل الأدوات المعرفية من الدين والفلسفة والشعر وبقية العلوم النظرية والتطبيقية. غيرأن ما يسميه بـ "المجاز" كخاصية متأصلة في التاريخ والتراث اللغوي العربي محد فاصل، وإشارة إلى التصادم والمفارقة الحادة بين الفكر الديني والفلسفي من جانب، وبين الشعر في الجانب الآخر. ذلك أن المجاز حسب النظرية الدينية لا يعبر إلا على "المحتمل"، حيث هناك إحالة للألفاظ عن معانيها المعهودة، وتحريف للكلمات عن مواضعها، مما يفسد المعاني وبالتالي يفسد اللغة ويولد الضلال والباطل. لذلك تجب العودة إلى أصول الكلمات وتحميل الألفاظ المعاني الموضوعة لها في الأصل، وضرورة الرجوع إلى اللغة الواقعية، لغة النثر. وأدونيس يدين هذا المنظور الديني ويؤكد على العكس من ذلك بأن اللغة خاصية ينصهر فيها الفكر والشعر "بحيث يبدو الفكر أنه يتصاعد من الشعر، كما تتصاعد من الوردة رائحتها". وتتمثل هذه الخاصية بطبيعة الحال في "البنية المجازية للتعبير". ولا شك أن هذا "المنظور المثالي" لايبطل المجاز وحده، وإنما يبطل اللغة الشعرية ذاتها كمقياس إنفعالي حسب ما يراه محمود درويش.. أي حاسة الهاوية، الشعر كتجربة وجودية مباشرة وأصلية وأساسية وغير قابلة للخضوع للقوانين العقلية أو المنطقية مثل النفي والإثبات، الحقيقة والباطل، الوجود أو اللاوجود، الإحتمالي والضروري، إلى آخر هذه التصنيفات المنطقية. وهذا لا يعني أن الشعر ليس أداة معرفية، غير أنه من الواضح أنه ليس أداة معرفية موضوعية كما سبق القول. فاستعمال البنية الواقعية أو المجازية أو أية بنية أخرى لغوية في التعبير ليس كافيا وحده لرسم الحدود الفاصلة بين المعرفة الشعرية والمعرفة الفكرية أو الفلسفية ـ وهذا في حقيقة الأمر موضوع آخر يحتاج بدوره إلى المزيد من البحث والدراسة والتحليل ـ إذ أن الذي يهمنا في هذا المجال هو الطريقة التي استعملها أدونيس في تصنيف هذه المناهج المختلفة، والمنهج الذي استعمله ومكنه من وضع الدين والفلسفة في ملف واحد، مقابل ملف آخر يضع فيه الشعر، أو المعرفة الشعرية كنقيض إيجابي..

المزيد