مكعبات الضجر 0027 …. سعود سالم

أكتوبر 25th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

حبل يتدلى في الفضاء، والشمس تحترق وترسم جمرا أحمر في الافق البعيد، حروف ورقية الطعم تلعب بها الريح في الشارع، تطيرها في السماء مع حبات الرمل الدقيقة، الحبل المتدلي يتحرك يمينا ويسارا .. يتحرك شمالا وجنوبا.. في جميع الاتجاهات، حسب حركة الجسد المتدلي، والذي يرسل ارتعاشاته الأخيرة. الجسد الساكن يتأرجح في الفضاء،يدور حول نفسه، مئات العيون الباردة تحدق فيه تتمنى لو تستطيع أن تحيله حرفا ورقيا يطير مع الريح وحبات الرمال، تتمنى لو يتلاشى الجسد المتأرجح في الفراغ ، يذوب في الهواء، ويختفي مثل دخان سيجارة. تحترق .. تحترق الشمس وتحرق الأرض المحروقة، والآف المسحوقين يخرجون من قبورهم وأيديهم على رؤوسهم، ويستجدون قطعة خبز من جلادهم قبل أن يسلخ جلودهم على شاشات التلفزيون. تحترق الشمس كل يوم، وتطفئها أنهار الويسكي والشامبانيا وحليب النياق على موائد الجنرالات والرؤساء والملوك والشيوخ والأباطرة والقياصرة وأصحاب البنوك ورؤوس المال وذيوله. يساومون نصرهم وهزيمتهم، ويعدون القتلى والمحروقين، ويسبحون الله وحده ويحمدونه، ويتبرعون بقطعة نحاسية يقذفونها أمام المغني الأعمى في الشارع، ويطلبون منه أن يغني. آه لو أجد الفكرة التي من أجلها أستطيع أن أحيا وأموت !! أحرقت البخور ليلة ميلادي .. وضعت الجاوي والفاسوخ وعدة أشياء أخرى نسيتها ونسيت رائحتها في الكانون، وغسلت لساني في الماء المالح، ولبست صباطي، وفتحت الباب، وانطلقت في أصقاع الدنيا. أسير في السهول والقارات حافيا مدمى القدمين، وجسدي يقطر بدم الحيض الساخن/ أجرجر خلفي الحبل السري الذي يربطني بنخلة كبيرة وسط ساحة بيتنا القديم، أتدحرج من شارع لشارع، ومن مدينة لمدينة، أسقط في المجاري والأنهار والبحار، أسقط مرات ومرات، اسقط و

المزيد


مكعبات الضجر 0025

سبتمبر 19th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

cigare

فتح عينيه عندما سمع صوتا قادما من وراء الباب، يخبره بأن الباب غير مقفل ولا داعي للبحث عن المفتاح، فدفع الباب بهدوء .. ودخل، يستقبله الدفء والضوء المنتشر في أرجاء المكان، غير أن رائحة المطبخ النفاذة كانت أقوى من أن تجعله يركز حواسه على الدفء والضوء، بالاضافة إلى أن رأسه بدأت تدور، تدور بشدة.. الرائحة القوية والضوء الذي يجبره على إغماض عينيه، الضوء الذي بدا له يزداد قوة لحظة بعد اخرى. لاشك ان المجهود الذي بذله لارتقاء درجات السلم هو السبب في تنفسه السريع، وفي الصوت الذي في داخل صدره، مثل الطبول الافريقية. قبل أن يتمكن من الوصول إلى حجرة النوم بادره صوت قادم من المطبخ: هل تحصلت على عمل .. ؟. طوال اليوم كان ينتظر هذا السؤال، أداره في رأسه عشرات ومئات المرات، ووضع في ذهنه عدة إجابات محتملة، غير أنه الآن ليس له، أم لم يعد لديه من القوة ما يدفعه إلى الرد مباشرة، فدخل إلى الغرفة واستلقى على السرير دون أن يخلع ملابسه، وأحس على الفور حين أغمض عينيه بأن السرير قد بدأ يدور ويدور مثل مروحة، محدثا ضجيجا رهيبا في داخله، وشعر بأن السرير سوف يطير فجأة إلى السقف، وحين يفتح عينيه يتوقف الضجيج لحظة، يتوقف السرير عن الدوران، وتبدأ الجدران تتحرك، تقترب .. تقترب منه حتى تلامس انفه، ثم تبتعد، وتقترب ثانية، في حركة متوازنة تشبه أمواج البحر، وتناهى إلى سمعه صوت آخر غريب، بجانب  اذنه بالضبط مختلطا بامواج البحر، وأدار رأسه بحركة بطيئة، فرأى الكرسي القديم يجانبه يتنفس بعمق، شهيق .. وزفير منتظم، وأحس بامعائه تصعد إلى حلقه، لحظة سمع صوتا قادما من المطبخ يدق بعنف يشبه دقات مطرقة حديدية على عصب معين في دماغه: هل تستطيع أن تساعد في إعداد المائدة .. العشاء جاهز !! ودون أن ينهض، تمكن بواسطة قدمه اليمنى من دفع الباب وإقفاله، وأحس بموجة من الهدوء الخارجي، للحظة .. للحظة فقط، ذلك أن الموسيقى الداخلية لخلايا دماغه عادت ترتفع.. وترتفع حتى تنفجر في صوت مرعب لحظة انفتح الباب بعنف، واندفعت نسمة هوائية باردة، ودارت عدة دورات محمومة في أرجاء الغرفة المعتمة، تحركت عدة أشياء، الجريدة والأوراق المكدسة بجانب السرير، وسقطت الصورة المعلقة على الجدار المقابل على الأرض، ثم انصفق الباب بصوت مدو.. وعم الصمت.. واستقرت النسمة الهوائية بإعياء على الكرسي العتيق متأملة انعكاس الأشياء في المرآة، وزجاج النافذة.. الألواح الخشبية القديمة، والمعطف المعلق على الجدار.. لن أعود..، خيل إليه أن النسمة تخاطبه في صوت خافت يشبه الهمس.. لن أعود ثانية إلى هناك .. وتناهى إلى سمعه شيء يشبه ضحكة هادئة بعيدة .. سأبقى هنا .. هل تعرف .. أفضل أن أظل سجينة في هذه المغارة على أن أعود إلى هناك .. أعني إلى تلك الصحراء.. لقد قذفت بي عاصفة رملية حمراء وسط البحر .. ظللت اطفح فوق الماء زمنا طويلا .. تتقاذفني الآمواج، حتى حررتني  فجأة موجة بحرية قادمة من الأعماق، لا أدري بأية صدفة، ولا الاتجاه الذي قذفتني فيه، أنا القادمة من أعماق الصحراء؟؟ غسلتني في المياه المالحة، وقذفت بي في هذه الحفرة، بجانب السرير، وتركتني ملتصقة بصخور الشاطئ. الصوت يبدو وكأنه يزداد انفعالا، وكلما أغمض عينيه كان صوت تنفسها يزداد قوة وعنفا، حتى خيل إليه بأنه فحيح أفعى، لم يكن يقوى على تبادل الحديث معها، وتمنى لو تتركه وحيدا مع أصواته الداخلية التي تشكل هذه الاوركسترا الموسيقية الغريبة. وانفتح الباب فجأة، وسمع صوتا مألوفا يقول له عدة كلمات متقطعة مبهمة لم يتمكن من التقاطها وتجميعها في ذهنه، حيث كان يتابع بعينيه النسمة الهوائية التي نهضت بذعر بتأثير الهواء القوي الذي اندفع من النافذة، وخرجت بسرعة مصدرة صوتا قويا مرعبا يشبه الصفير. وحينما اغمض عينيه رآها تحتضن بشوق المجة البحرية الملتصقة بصخور الشاطئ، وتعودان معا إلى أعماق المياه الملحة، وتغوصان إلى الأعماق مصدرتين صوتا خ

المزيد


مكعبات الضجر 0024

سبتمبر 13th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

09

ظل يتسكع طوال النهار من شارع لشارع، ومن مقهى لمقهى، زار عدة مكاتب، وقابل عدة أشخاص، تحدث معهم، سألوه عما يستطيع أن يفعله في الحياة، طلبوا منه أوراقا وطوابع وصورا، وأخبروه بضرورة العودة في اليوم التالي. سار طويلا بجانب النهر العكر الذي يجتاز المدينة، والتقط خشبة صغيرة تآكلها الماء والريح ووضعها في جيبه، وقبل مغيب الشمس بقليل قرر العودة. زاوية المبنى تقسم الشمس إلى شطرين برتقاليين، وتحجب نصف السماء، والمبنى ذاته يبدو له للمرة الأولى بهذا اللون الاسمنتي الكالح، حيث تفوح منه رائحة العمل المرهق للعمال المهاجرين، تقطعه بالطول عدة ميازيب صدئة تمتد من السقف حتى أسفلت الشارع، وبالعرض مجموعة من الخطوط الاسمنتية بعدد الطوابق، وتشكل قواعد النوافذ التي تصطف بانتظام، مكونة شكلا هندسيا يشبه رسوم الأطفال. مجموعة من الصناديق أو المربعات، بعضها مضيء، وبعضها الآخر مجرد بقع سوداء. الرجل ذاته يقف عند الجهة المقابلة للمبنى، ينتظر توقف حركة السيارات حتى يعبر إلى الجهة الأخرى، وحينما نظر إلا المبنى مرة ثانية، اكتشف بدهشة انه لم يفكر مطلقا حتى اليوم في بشاعة هذا المكان الذي حشر فيه منذ زمن لا يستطيع تقديره بدقة. ورفع عينيه عن الخطوط البيضاء العريضة المرسومة على الاسفلت، لتحدد المكان الذي يستطيع أن يعبر فيه الشارع، يغالبه نوع غريب من الشك، وشاعرا ببعض القلق لعدم توقف السيارات عن الحركة، الواحدة تلو الأخرى. لاحظ مجموعة من الملابس المتدلية من عدة نوافذ، وتعرف على قمصانه وملابسه الداخلية القديمة، لم يكن يعرف أن ملابسه تنشر وتجفف في الشارع بهذه الطريقة المخجلة، وأح

المزيد


مكعبات الضجر 0023

أغسطس 27th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

597sal

الصوت الصدئ يتحرر من قيود الاسفلت ويقتحم الشارع الأصلع، يتحرك وسط عربات قطارات الليل الرمادية، ويمزق ستار النافذة، ويقفزفوق السرير بملابسه الكرتونية، ويشعل في قلبه نارا تبخره دخانا لسيجارة أخيرة بعد منتصف الليل أو قبله بقليل. هذه هي اللحظة المميتة، لحظة تراكم الأصوات في خيط واحد يزن كصوت الثلاجة، والشرشاف الأسود ينفخه الليل شراعا أبيض يجتاز صحراء البحر على صوت احتراق البترول في بطن الحوت. ويغرق .. يغرق الصوت للحظات في صمت محاصر بين الموجة والموجة، ينظر إلى الظلمة وراءه، ويعود إلى المدينة النائمة، حيث يعاوده الصوت. جدار الطين يئن .. يئن، ثم يغمض عينيه ويموت ..يتشقق.. وتخرج الجرذان والأفاعي والعقارب والصراصير والفئران تملأ الشوارع، وتحتل المدن، وتغزوا الشواطئ والموانئ والكهوف. الجدار الطيني يعود إلى نفسه، يتثاءب، ويحلم ببقعة بترول تعكس الوان العالم السفلي وتريه طريق العودة إلى العالم الآخر. بقعة زيت على اسفلت الشارع تعكس ضوء مصباح ليلي باهت، وصوت خطى مسرعة، امرأة تتراقص أقدامها ظلا يمتد على الجدارالمقابل. الرجل يخرج من وراء العمود الكهربائي، يرفع يده فتطيرفي الهواء إلى الناحية الأخرى من الرصيف، وتقع على صدر المرأة المذعورة، تنزعها برعب وتقذف بها في علبة القمامة على الرصيف، يسقط الرجل على الأرض، تحيط به عشرات القطط الجائعة ، يزحف الرجل.. يزحف والقطط بدأت في تمزيق لحمه .. يزحف .. ويزحف حتى يختفي في شق الجدار الطيني النائم، والذي يحلم ببقعة زيت تعكس ألوان العالم المعتم على أسفلت الشارع المبلل والمضاء بمصباح ليلي باهت يلقي باشعته المصفرة على جسد حيوان لا إسم له، ملقى بجانب علبة القمامة المقلوبة، طفل مرمي على حاشية العتمة, صوته يخترق الليل، يجري للقاء أمه، المرأة المسرعة نحوه لابسة سريرها، ملتحفة بالغبار الأحمر الذي يغطي الكون، ويغني، يغني كراهية العالم والكون والله والجن والانس والحيوان والنبات والجماد. يقذف برأسه إلى السماء، رمانة متيبسة حباتها مثل سبحة عجوز متكئ على جذع نخلة. ويموت الطفل النائم في نومه، يموت الطفل الميت في نومه، مغمض العينين يختفي في حفرة، في قبره، ينسل عبر شيق ضيق إلى السماء، ينفجر ويتحول إلى غبار أحمر يملأ الكون، وتنتشر ذراته في كل مكانويرتفع صوت المغني الذي فقد لسانه، لايجب العودة إلى الوراء، إذا نظرت إلى الوراء فإنك تتحول إلى تمثال

المزيد


مكعبات الضجر 0022

أغسطس 23rd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

emptys

 سار في الشوارع طوال الليل والنهار، أيام السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت والاحد. سار في الشوارع هائما يلبسه النوم، ويحلم بسرير حديدي في حجرة تحمل رقما ما، يحلم بالراحة الجسدية، بالنوم/ ونسيان الوجوه التي تنضح بالفجيعة. سار طوال الليل والنهارحتى تعثرت قدمه بحجر مهاجر في أحد الشوارع الخلفية، وتفجر الدم الداكن من اصبع قدمه. جلس على الرصيف يراقب الدم المتجمع على الارض حتى يصبح نهرا يعبر الشارع إلى الرصيف المقابل، يرقب دمه يترك جسده فارغا مثل شكوة، ويرى أحلامه تتبخر، وترتفع في الفراغ الصامت، لكم يخاف العودة إلى سريره في هذه الليلة المرعبة !! ذلك انه كلما أحس بهذا الطعم الخاص في حلقه، يعرف انه قبل النوم سيستعرض كل الهزائم التي مرت بحياته، ويدرك قبل ان يغلبه النوم أنه مجرد انسان عادي يمارس حياته ــ موته .. مثل حجر. عادة ما تبعث هذه الفكرة في نفسه فكرة تعليق جسده في حبل، او القاء نفسه تحت عجلات القطار، او ضخ جسده بالبنزين واشعال عود كبريت. يعرف انه مجرد انسان عادي بلا طموح، أنسان فاتر لالون له، صوته مجرد كلمات جوفاء بلا رنين، وحتى جسده يراه مثل جدع نخلة قديمة بلا حواف، وبلا شخصية محددة. يتغير حسب السنوات والفصول، حياته باهتة مثل قرية جنوبية ، حيث يعيش البشر ويموتون دون أن يعرفوا رائحة البحر، ولا لون السماء المالحة. مجرد انسان عادي قذفت به  الامواج على شاطئ بلا بحر، دون أن يدري. حياته مرقت فجأة من حفرة صغيرة في دماغه لم يرها حتى الآن، دون أن يفعل أي شيء، أي شيء على الاطلاق له أهمية، ويبرر ذلك. الأدهى والأمر أنه يبرر ذلك. له قدرة عجيبة في التخلص من التهمة الموجهة إليه، ليصبح هو الذي يوجه التهم، ذلك انه يتساءل على الدوام، ماهو الشيء الذي يمكن أن تكون له أهمية في حياة انسان يعي قدر البشرية ؟؟ أي شيء تكون له أهمية في عالم يموت فيه البشر مثل الذباب ؟؟ ان عمله الوحيد يكمن في ذهنه.. في تفكيره.. في واقعه، ويرى أن ذلك يحتاج إلى عدة حيوات، وقد تمكن من التوصل إلى هذه النتيجة الفاجعة في حياة قصيرة. الشيء الوحيد المهم في هذا العالم هو أنا” … أنا الداخلية، وليس الصورة المنعكسة على السيارة اللامعه التي تتكئ عليها مبتسما للمصور، لتبعث بالصورة فيما بعد إلى الوالد والوالدة والاخوة والاخوات وبنات الجيران. الفكرة في حد ذاتها تستولي عليه لدرجة منعه من رؤية ما يدور حوله. نسي أن يأكل، وأن يشرب ويغتسل، واصبح مجرد درويش يجوب شوارع المدينة، مخربشا أشعاره الرديئة في كراسات مدرسية صغيرة. ينام حيث يستطيع أن يجد حفىرة أو مخبأ ضد البرد؟ هام سنوات عديدة متأكدا من أنه قد توصل إلى سر الأسرار، وعرف قيمة الحياة والموت، ورأى وجه الله قبل أن يسقط سقف المعبد على رأسه، وعبد زجاجات النجوم ، وكتب فيها أشعاره الملتهبة، وذات ليلة نسي ان يشتري زجاجة نبيذه، نسي لأنه لم يجد الدولارات الكافية، وعندما استيقظ في الفجر، كان الثلج يغطي المدينة بطبقة بيضاء خفيفة, وكان البرد يتخلل جسده مثل إبر صدئة، ومات وحده في كنيسة مهجورة. مات من أجل إله لا وجود له، ومن اجل فكرة تغلبت على جوعه وبرده ويأسه، مات لأنه كان شاعرا، والشعراء لا يملكون عادة موهبة الحياة، بل موهبة الحلم. هذا زمان تتيبس فيه الأحلام، ويتحول العرق إلى نبيذ أحمر متخثر يملأ الزجاجات ذات الستة نجوم على رفوف الأسواق الشعبية، زمان تموت فيه الأشواق، وتتحول فيه الأحاسيس الدافئة إلى لفافات رقيقة تحرق شفاه البشر في أركان الدنيا. زمان يحترق فيه الوقت، ويتحول إلى بخار كثيف يغطي زجاج النوافذ المتسخة، ويحجب الجبال والسماء. زمان التيبس والتحجر وا

المزيد


مكعبات الضجر 0021 … saoud salem

أغسطس 20th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

121924

في الغرفة رقم 6 في أحدى ضواحي المدينة، يقضي أمسياته وحيدا، يحدق في الجدران العارية .. يحلم .. يقضي الساعات الطويلة مستلقيا على السرير، يتأمل السقف، ويتخيل النجوم والشموس والاقمار في رحلتها الأبدية عبر السقف الواطئ، من زاوية لزاوية.. ثم يرتدي ملابسه العتيقة بعد أن يكون قد أخذ كفايته من الملل، ويخرج إلى الشارع، ويقابل أول شخص في محطة الباص، حين تبدأ رحلته اليومية، التحديق في وجوه المواطنين، العجائز والعمال والعاملات المرهقات بالملل والتعب اليومي، ينظر إلى الوجوه المسلوبة السعيدة الكريهة أو المسالمة، ينظر إلى الأعين التي لا تستطيع مقاومة النعاس العيون المطلية بالأصباغ، العيون ذات الدوائر الزرقاء .. العيون الزجاجية التي تشبه إلى حد كبير عيون الكلاب.. ينظر إلى الوجوه والأقدام والملابس، لاشك ان الآخرين ينظرون إليه بنفس الطريقة. في عربة القطار، لم يكن وحيدا، أمامه امرأة لايستطيع تقدير سنها، مثقلة بالأصباغ والملابس الغريبة والاساور والقلائد، تدخن سيجارة طويلة بأصابعها المقفزة، تقول شيئا ما بصوت منخفض كأنها تحدث شخصا آخر بجانبها، يحدق من النافذه، رائحة ما جذبته إلى عالم غريب، كاد يفقد وعيه لحظات من التعب وقلة النوم. المرأة تبدو كما لو كانت تتحدث إليه، ولكنه لا يستطيع أن ينطق بحرف واحد .. لايريد أن ينطق بحرف واحد، فيرد عليها بابتسامة واهية، ويعاود الخروج من زجاج نافذة القطار، حيث المطر، النهرالذي يختفي بعيدا وراء المباني المسودٌة .. هناك بعيدا حيث تختفي الحجرة رقم 6 في نهاية ممر طويل مظلم. 

جدار ابيض لامع يواجهني، ويعكس الضوء الخفيف الذي يضيء الغرفة، لو ينشق هذا الجدار للحظات حتى أتمكن من رؤية الليل والسماء السوداء والأشجار، والحديقة الصغيرة المغروسة وسط المباني العالية.. الممقعد الاسمنتي في الحديقة حيث تجلس كل مساء تلك العجوز المغربية، تنظر إلى الاطفال يلعبون، وتحلم بحقول القمح واشجار التين والعنب والبرتقال. لأرى النجوم والسحب المتحركة بصمت وسط الظلمة الحالكة، ولكن في هذه البقعة من العالم الجدران لا تنشق .. ولا تتشقق، إنها مستقرة .. صلبة .. عنيدة .. لاتكف عن محاصرة البشر مثل الجرذان، هنا مملكة الجرذان. من كل جانب، وفي كل مكان .. كل مكان. الجدار الآخر على يساري أتمنى أن يزداد سمكا، ليعزلني عن ضجيج الغرفة المجاورة، حيث مزيج من الموسيقى الشعبية، وصراخ مجموعة من البشر وعم يلعبون الورق حتى ساعة متأخرة من الليل. ويتشقق رأسي .. وفي ذاكرتي مجموعة من البشر يجلسون في مكان ما .. رحالة .. كنت بينهم، وإن لم أكن مثلهم. صوت ما يسألني عن موقعي الجغرافي في العالم، فألتفت إليها قائلا  .. في شمال أفريقيا.. ورأيت الأفق فجأة ملونا بلون برتقالي اخآذ .. وكانه حلم..

المزيد


مكعبات الضجر 0021

أغسطس 9th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

peuple

لاوطن لي ولا قومية لا لغة ولا هوية .. قذف بكل هذه الأشياء في الخرارة، مع كل الأعلام والأناشيد الوطنية، والشعر القومي، والأمجاد القديمة والحديثة. فهو مجرد إنسان يحيا بوعي، حياته الداخلية والخارجية، وأدرك بأن الثقافة التي ينتمي إليها، هي ثقافة مثل غيرها، يجب التخلص باسرع ما يمكن من قيودها .. بأسرع ما يمكن. على كل منا أن يبني هويته. فالهوية هي شيء يتراكم كل يوم، وليس شيئا نناله لمجرد ميلادنا في بقعة ما من الأرض .. نحن نكون ما نريده. وأول ما قابلته في رحلتي، أو في بداية رحلتي، هو البشر الذين أخذوا الطريق مثلي، وهم نوع من السواح الذين يسافرون من أجل معرفة العالم، وهم عادة يسافرون بدون أية نقود أو القليل جدا من المال .. مثله تماما.. مع فارق وحيد، وهو أنهم لا يحملون جوازات سفرمزرية، كما أن وجوههم عادة لا تحمل آثار الشمس ورياح القبلي. تمنى لويستطيع أن يتحدث بالتفصيل عن توني، وعن أغنياته على شاطئ البحر ليلا. توني والده قسيس انجليزي من اكسفورد، وأخوه موسيقي في فرقة روك انجليزية، وهو حين يرجع إلى أكسفورد يريد أن يصبح ساعي بريد. روبن شخص آخر .. طويل .. ايرلندي سكير، لقد حمله عدة مرات ليلا ليعود إلى حجرته، لقد جرجره بالتحديد، لأنه كان ضخما ولا يمكن حمله. كان يمكنه أن يشرب أية كمية من الكحول موجودة على الطاولة. هناك أيضا كارين، وبابي، وكريستين، وجيرترود،  وماري، وزينيفا ….؟؟؟ وجان بول وصديقته كريستينا، جميل، وعاطف، وسيف، وبو عبيدة، ويوتا وماريا، وخريستو، وياني، ويورغو … وعشرات الأسماء الأخرى المدفونة في الذاكرة. ولكن مجرد تذكر الحروف الأولى من هذه الأسماء، يبعث في نفسه نوعا من الحزن الغريب، يجب أن يخلق طريقة لحفظ هذه الأسماء، لأنها جزء من التاريخ البشري لهذه الأنا الضائعة وسط هذه الكومة من النفايات، كل هذه الأشياء، كل هذه الأعوام والأيام والساعات والثواني والدقائق، ضاعت في برميل القمامة، مثل زجاجة النبيذ التي قذفها في البحرلمجرد الملل واليأس والاحساس بأنه لن يسكر بعد اليوم. يسقط ميتا ولا يستطيع الحراك، ولكنه لا يفقد وعيه .. لآأفقد وعيي.. محكوم علينا إلى الأبد بوعينا الفردي. لقد في إحدى محطات المترو صباحا، حيث البشر يتزاحمون كالذباب، وكانهم لم يستيقضوا بعد من أحلام البارحة، يسرعون إلى حفرهم في المكاتب أو المصانع، في الحوانيت والبارات والمخازن. كل منهم يواصل هذه الرحلة لمدة سنوات عديدة قبل أن ينال حقه في النوم حتى الساعة الثامنة أو التاسعة صباحا. كان المترو يأتي ليفرغ بعض بضاعته، ويأخذ المئات من البشر .. أنتظر، وكان هو جالسا على مقعد بلاستيكي أصفريحدق في الاعلانات الضخمة

المزيد


مكعبات الضجر 0020 … saoud salem

يونيو 22nd, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

538ill

تذكرت رائحة الغاز المحترق في الصحراء، تذكرت أنابيب النفط والعمال الذين يعيشون في الصحراء لعدة سنوات لجمع ما يكفي من النقود لإنتظار الموت فيما بعد. تذكرت الغزلان الخفيفة  المرعوبة تطاردها سيارات الجيش الجديدة، ويطلق عليها الجنود النار بالكلاشنيكوف، تذكرت الاستعراضات العسكرية، وخطب رجال السياسة التي لا تنتهي ومهزلة اللجان الثورية والشعبية والوطنية ، تذكرت حبل المشنقة يتأرجخ في الفراغ، بعد أن أنزل المشنوق ميتا، وتذكرت عيون المواطنين وهم ينظرون إلى المشهد. تذكرت أن بعضهم كان يصفق، وبعضهم الآخر يبكي، وبعضهم لم ير ما حدث بالمرة ..أو لعلني لم أتذكر جيدا .. النسيان، داء الزمان، والذي لايضاهيه قسوة سوى داء التذكر الدائم.. وأنا لا أكف عن التذكر. تذكرت ذلك الموجيك .. اللحظة الأولى التي رأيته فيها، بكتبه العتيقة، وملابسه القديمة، وعينيه اللتين لاتكفان عن الدوران حول كل ما يراه لأول مرة ا. لقد كان إنسانا صافيا، و لابد أن السجن  علمه أشياء عديدة، هذا إذا كان قد خرج سليما جسديا من ذلك الكابوس. تذكرت خوفي من الموت لحظت اسلقيت في المستشفى على طاولة العمليات، والجراح الفلسطيني يضحك ويقول بان عملية الزائدة الدودية مجرد تشخيص فقط، وفتح بطني، ليكتشف فيما بعد بأن الزائدة لم تكن ملتهبة، واستنتج بأن الألم المميت الذي أحسست به قبل عدة أيام كان مجرد ألم نفسي !! وهربت… هربت من خوفي، ومن ذاكرتي، هربت من تلك الوجوه المزروعة في كل زاوية من ذاكرتي، هربت من تلك الأصوات المزعجة التي تقابلني في كل لحظة، وتصرخ في وجهي تطالبني بأن أقبل هذا العلم كما هو، بأن أقول نعم. هربت من حياتي المتناقضة مع ذلك الخليط من المجانين والمرضى والدجالين والصعاليك. خربت من تلك القذارة والغبار والحرارة ورياح القبلي والعرق الكريه الرائحة. هربت لأنني لم أعد أحتمل الخطابات الهستيرية، ولا نشرة الأخبار المحلية. هربت لأنني لم أعد استطيع الأستمرار، نجوت بجلدي من تلك المذبحة البشرية التي ماتزال مستمرة حتى هذه اللحظة، حيث يموت البشر من الملل، من القنابل الساقطة فوق رؤوسهم، أو من التفاهة، والجري وراء الدولارات الخضراء، وزجاجات الويسكي، وطروف الحشيش. هربت لأنه لم يعد ثمة حل آخر سوى الموت أو الجنون. ولكن هروبي لم يكن سوى حل مؤقت، لأن هذه البلاد الملعونة ماتزال تسكن تحت جلدي، ومنذ أكثر من عشر سنوات وأنا أحاول أن أتقشر، أن أتخلص من آثار الجدري والريح والشمس وبعض الأفكار التي تضايقني كورم يكبر في داخلي. أحاول أن اغسل نفسي في نهر النور الصافي، وأن أتذكر صفحة بيضاء تخلو من هذه الأشياء السحرية السوداء. في فترة ما .. في يوم ما، سأتخلص من كل شيء، وأعود طفلا كما كنت، فرحا بالنور يجري في حاشية القرية على خط السكة الحديدية، ويسافر نحو بلدان لا توجد على خارطة الكون. حلمت بالشمال البارد.. بالرياح التي تصفر في الغابات التي لا تتخللها الشمس، حلمت بالثلج والمطر الخفيف الذي لايكف عن التساقط، حلمت بالبارات الدافئة، والمعبقة بالدخان وبروائح البشر والموسيقى ، حلمت بشوارع مدن لا أعرفها، وحلمت بشوارع ومقاهي كل مدن الدنيا، ثم حلمت بشوارع مدن صغيرة فارغة وميتة بعد منتصف الليل، حيث لايوجد غيرالكلاب الضالة وسيارات الشرطة. كنت أعتقد بأن الريح الباردة تحمل نفس الحياة لإنسان نال كفايته من الحرارة ورياح القبلي ورمال الصحراء وضحكات البشر المكلوبين، ولكن الحلم يضل أبدا شركا رهيبا تنصبه لنا الآلهة الشريرة. قابلني الجوع للمرة الأولى في مدينة ساحلية صغيرة وموبوءة بالسياحة، ثم ظل يتبعني كطلي من مكان إلى آخر. لم أتوقع هذه المفاجأة، رغم معرفتي منذ كنت طفلا بالجوع والعطش والبرد. إلا أن الجوع في هذه المدن يبدو أكثر إذلالا ً، حيث كان الجوع يتسكع في الشوارع بين البطون المنتفخة، والبشر الذين يكادون ينفجرون من كثرة الأكل والشرب والنوم. الجوع هنا أكثر قسوة، وأكثر رهبة، الجوع هنا هو رمز كل البنوك والشركات الصغيرة والكبيرة، التي تمتص دماء كل فقراء الكرة الأرضية، فتنتفخ بطونهم وجيوبهم وحساباتهم في بنوك مدن العالم المضيئة ليلا. الموت هنا لايكفي، إذ لابد من طقوس التعذ

المزيد


مكعبات الضجر 0018 … سعود سالم

يونيو 16th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

woolf0

ولد تحت نبتة برية. نمى وترعرع كبقية الأطفال وانتصر على الموت الدي كان يتربص في كل الأركان، يضحك مع بزوغ الفجر، ويجري حافيا وراء أشعة الشمس والقمر والنجوم. يتجرع كل ليلة كأسا من الصمت والصفاء لينام بين ذراعي أمه. كان العالم يقتصر على الشارع الطويل، والحاشية،هناك عند طرف القرية حيث كثبان الرمال والنخيل وأشجار التين والعنب والرمان، وخط السكة الحديدية المهجور، والذي يعتبر الفاصل الحقيقي بين القرية وما بعدها. كان الطفل يقضي الساعات الطويلة وهو يمشي على الخط الحديدي الذي لا ينتهي، وكان في بعض اللحظات.. في بعض اللحظات فقط يسمع صوت القطار وهو يصفر من بعيد، غير انه يرجع إلى البيت قبل ان يرى القطار. كان يجري مع رفاقه طوال اليوم، وقد تحسسوا طريقهم بطريقة عفوية، وتمكن اغلبهم من الحياة، ونموا نموا طبيعيا مثل بقية الاشجار والنخيل والنباتات الشوكية التي تملأ المنطقة، أما هو، فيبدو غريبا عن هذه البيئة، لم يكن يحب الحديث، ولم يكن يحب العراك والشجار، رغم مشاركته في المعارك العنيفة التي تنشب عادة بين الشوارع والحارات المختلفة، وقد رجع إلى البيت عدة مرات وهو يقطر دما ودموعا. لقد كان نبتة غير مناسبة لهذه التربة، أو أن جذوره لم لم تتمكن ين الوصول إلى العمق الكافي للحصول على الاستقرار النهائي، فمرت حياته مثل ريح مهاجرة، متنقلة من مكان إلى آخر. غير مع والدته عشرات البيوت والشوارع والمدن المختلفة، وأصبح الحلم رفيقه الوحيد في لياليه الكئيبة، أو في الأيام الحارة الطويلة، حيث يغرق في عالمه المبني من أحلامه، واحلام احلامه واستيقظ دات مرة ليجد نفسه أمام طاولة قديمة يحاول أن يتذكر الأشياء والمواقف ليثبتها في كراسته واكتشف فجأة حين ألقى نظرة خلفه بأنه يحلم منذ عشرين عاما  وأنه سئم النبيذ المحلي والتكيلا والحشيش المغشوش والديلوكسين والنيبيوتال والاوبتاليدون والسيكونال وعشرات الأشياء المماثلة فلبس حذاءه بسرعة وفتح الباب وخرج إلى الشارع هرب من نفسه هرب، هرب مؤقتا، هرب لأنه لم يعد يحتمل تلك الوجوه المزروعة في كل زوايا حياته، هرب من تلك الأصوات المزعجة التي تقابله صباح، كل يوم، وتصرخ في وجهه بان يقول نعم !! ان يقول نعم لعالم بلا وجه ولا هوية، عالم بدون أحلام وبدون ألوان، عالم رمادي يحترق من الداخل ويختنق بدخانه. هرب من حياته المتناقضة، من ذلك الخليط من المجانين والمرضى والدجالين والصعاليك والمتسلقين والمنافقين. هرب

المزيد


مكعبات الضجر 0017 …. سعود سالم

يونيو 14th, 2008 كتبها سعود سالم نشر في , رواية

grilla

الكتابة كالولادة المتعسرة .. كل كلمة تحتاج إلى عملية قيصرية .. وكل حرف يحتاج إلى زجاجة من النبيذ، أو فنجانا من القهوة. يبدو إنني اشكو من الملل التفاهة، غير ان الملل هو سيد العالم. سيد العالم بأسره منذ اللحظات الأولى لميلاد البشرية. مالذي دفع الله إلى خلق العالم، إذا لم يكن الملل ؟ والملل ينمو مثل ورم في قلب الكرة الأرضية، ويصير قنبلة تنفجر على رؤوس المخلوقات الحية وغير الحية.. التليف .. والتحجر ..والتخشب .. التشيؤ… تحيل الدنيا إلى ساحة  معركة رهيبة لاينجو منها أحد. بسبب الملل خلقت الأديان واللغات والفلسفات والفنون والثقافات، وكل هذه المنتوجات السلع التي تملأ أسواق التاريخ، والملفوفة في جرائد الفلسفات المعاصرة، الملل هوالسبب الوحيد الذي يدفع في الحقيقة إلى الكتابة، والكتابة كالولادة المتعسرة، كل حرف، وكل كلمة، تحتاج إلى عملية قيصرية، وستكون طويلة هذه الليلة، ليس مثل الطريق إلى جالو، ولكن سأحدثكم هذه الليلة، لدي  رغبة ملحة في أن أتكلم .. اتكلم مثلما لم أتكلم من قبل. سأحدثكم حتى تفقدوا صبركم، أعني أنني لن أتوقف عن الحديث حتى افقد القدرة تلقائيا عن التحدث، أعني حتى أسقط ميتا- أنا الذي لايتحدث كثيرا في العادة. أنا الذي كثيرا ما اتهموني بانني لاأشارك الآخرين الحديث، وبأنني أظل منزويا في ركن مظلم ولا أقول ما أفكر

المزيد


التالي