من هم ورثة الشاعر اليوناني العظيم هوميروس "القرن التاسع قبل الميلاد" صاحب رائعتي "الاوديسة" و"الإلياذة"؟ إنهم كثيرون. ولكن قليلا منهم حظوا بشهرة عالمية واسعة. وليس ذلك غريبا. فقد غدا الأثران المذكوران النثر والشعر والمسرح وجميع الفنون الأخرى. وكان الكاتب الفرنسي الكبير غوستاف فلوبير "1821-1880" على حق عندما كتب يقول في رسالة بعث بها إلى صديقته لويزكوليه عام 1854:" ان كتبا تولدت منها كل آداب العالم، مثل كتب هومسيروس، هي موسوعات للعصر الذي ظهرت فيه" وفي رائعته " بوفا روبيكوشيه" التي لم يكملها، لأن الموت عاجله، نحن نلمس التأثيرات الواضحة لهوميروس على فلوبير. غير أن الشاعر المرموق عزرا باوند " 1885-1972" يرى ان صاحب " مدام بوفاري" لم يصل إلى حيث كان يطمح. وبالنسبة إليه، فان جيمس جويس الايرلندي الشهير المولود عام 1882 والمتوفى عام 1941 هو الذي تمكن من أن يكون الوريث الشرعي لهوميروس وذلك بفضل عمله الذائع الصيت " يوليسيس".
لماذا؟ لأنه، ودائما بحسب رأي عزرا باند، حاول من خلال عمله المذكور أن " يمنح شكلا للعالم في كليته " تماما مثلما هو الحال بالنسبة إلى صاحب "الأوديسة" و"الإلياذة".
ان قارئ " يوليسيس" لجيمس جويس يجد نفسه أمام عدد هائل من الأحداث. والشخصيات والرؤى والأفكار بحيث يشعر أحيانا أنه يغرق فيها، ولا يستطيع السيطرة عليها مثلما هو الحال في الروايات الكلاسيكية. ماهو المفتاح اذن لو لوج هذه القلعة الحصينة التي هي" يوليسيس"؟ عن هذا السؤال يجيب الكاتب والشاعر الفرنسي فاليري لاربو " 1881-1957" الذي نقل العمل المذكور الى لغة موليير بمساعدة مؤلفه نفسه بأن المفتاح هو شخصية " يوليسيس" في رواية هو ميروس فاليوم الذي يمضيه ليربولد بلوم، الشخصية الرئيسية في رواية جويس، بعكس كل السنوات العصيبة التي أمضاها يوليسيس هوميروس في البحر، مواجها المغامرة تلو الأخرى. غير أن " يوليسيس" المغامر الشجاع عند هوميروس يتحول في عمل جويس إلى يهودي تخونه زوجته ويخون هو زوجته متى استطاع إلى ذلك سبيلا.
وبينلوب التي تظل مخلصة لزوجها حتى عودته في " الأوديسة" تصبح عند جيمس جويس مولي بلوم، زوجة ليو بولد بلوم التي تحلم في المونولوج الطويل الذي تنتهي به الرواية، بعشيقها وليس بزوجها الذي كان يهذي سكران آخر الليل في مبغى بديلن، الوريث الشرعي الثاني لهوميروس هو الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس " 1889-1985" الذي كتب عنه أحدهم يقول:" في السنوات الأخيرة من حياته، كان بورخيس يبدولي في كل لقاء يجمعني به، شبيها الى حد كبير بهوميروس كما تبرزه الأساطير القديمة. فهو يمسك بعكازه بكلتا يديه، ويستمع بانتباه شديد إلى كل كلمة ينطق بها مخاطبه، غير أن عينيه الضريرتين، كانتا متجهتين إلى مكان آخر، كانستين العالم الأدبي اللامتناهي في دماغه والذي تبرز منه بين الحين والحين، خلال النقاش، أبيات شعرية لواحد من الشعراء الذين يحبهم، ويحفض عن ظهر قلب البعض من قصائدهم".
ويحضر هوميروس بقوة في مجمل أعمال بورخيس. غيرأن حضوره هذا يصبح أكثر قوة في قصة الخالد" التي ظهرت عام 1929. ففي هذه القصة البديعة يهدي جوزيف كارتا فيلوس، وهو عالم أثري من مدينة سميرن اليونانية، الأميرة لوسينغ طبعة نادرة من " الالياذة" فيها يعثر على مخطوط يروي المغامرة العجائبية لمحام روماني يدعى فلامينوس روفرس ينطلق للبحث عن نهر يوجد على تخوم الشرق الأقصى، هناك حيث" ينتهي العالم"، وتهب مياه هذا النهر الحياة الأبدية لكل من يتمكن من السباحة فيه. وعلى ضفته الأخرى تنتصب " مدينة الخالدين"، وعندما يصل المحامي الروماني الى المدينة المذكورة، يجدها مقفرة، ويعاين أن معمارها بشع الى ابعد حدود البشاعة. وعندئذ يفرّ هاربا ليعثر بالقرب من هناك على مدينة من الكهوف، كل سكانها بكم، يشبهون الحيوانات في هيئتهم. واحد من هؤلاء يتعلق بالمحامي الروماني الذي يعلمه نطق الكلمات. وفي النهاية ينكشف السرّ، ويتضح أن العجوز الأبكم ليس إلا

















