هدرزة عابرة عن التاريخ وهيرودوت وتوكيذيذيس وماركس.. زكري العزابي
كتبهاسعود سالم ، في 23 نوفمبر 2009 الساعة: 22:39 م

فالتاريخ في ـ نهاية المطاف ـ هو نسيج مثل الفكر تماما. بحيث أننا نجد انفسنا مضطرين إلى تقسيمه إلى مساحات أو فترات كما يقول بنديتو كروتشه. وكل فترة هي بحد ذاتها إنقاذ لمجموعة من الأعمال، ومنعها من الوقوع في بئر النسيان. وبالتالي إعطاء بعد زمني إضافي لحياة "بعض البشر"، يكون أكبر من حضورهم الزمني الواقعي.
فما يتم نسيانه هو في النهاية لا شيء، ويقترب من أن يكون مجرد أكذوبة. أما ما يتم الإحتفاظ به حاضرا في ذاكرة البشر، فهو الحقيقة بعينها، حتى لو كان غير ذلك. الأمر الذي يعني في نهاية التحليل تاريخ الاقوياء والمتميزين، اي تاريخ السلطة. وهو التاريخ الذي يتم التدخل فيه وتغيييره ـ حسب اورويل ـ دون أن تتغير درجة حقيقيته.
وكلمة حقيقة باليونانية هي آليثيا Alithia، وإذا عرفنا أن الحرف A في بداية الكلمة هو أداة نفي، فإن (الحقيقة) تعني في الواقع عدم النسيان، وهذا هو بالضبط ما عناه هيرودوت، لأن كلمة نسيان هي (ليثي).
وباعتبار أننا بعيدون جدا عن عصر هوميروس، حيث كان يتمتع الأبطال بدعم الآلهة. بل اننا نعيش في عصر تكتسب فيه الحقيقة أو الـ A-Lithia معنى إنسانيا محضا، في التفريق بين الأبطال وغيرهم من الناس، وبين القليلين (الصفوة) وبين الكثيرين، فإن توكيديديس قد شكك في مرحلة مبكرة جدا في صفاء نية هؤلاء (القليلين)، بل وفي إمكانية ائتمانهم على التاريخ، ووضع المعيار في التفريق بين الأخلاقي والمصلحي. وقد أثر هذان الفهمان الهيرودوتي والتوكيديدي على كل كتاب التأريخ فيما بعد. فالتاريخ في ـ نهاية المطاف ـ هو مجموعة الأعمال التي تؤثر في حياة الناس، أي أولئك الذين يتبعون "الصفوة" مسهلين عملها أحيانا، وأحيانا أخرى العكس، بحيث أن ما يتم إنقاذه من بين أسنان الـ (ليثي) أو النسيان، ثم نطلق عليه فيما بعد إسم "الأعمال التاريخية"، هو عادة ما يسمى بإسم فرد أو مجموعة من أفراد القلة، والذين لا يترددون في إرجاع ما يتعرضون إليه من إنكسارات، إلى ذلك الكل الصامت: المجموع الذي لا تاريخ له.
ولكن هذا الكل" قد بدأ يفرض وجوده على نسخة جديدة ومعدلة تماما من التاريخ، بعد أن ملّ الجمود المتواصل، وذلك منذ بدء الثورة الصناعية، من خلال عملية إنتاجه لما دعاه ماركس بفائض القيمة في "رأس المال". وهو عمل تاريخي كان له دور ضروري وحاسم وجدلي، تمثل بداية في دخول الجموع الصامتة إلى ساحة التاريخ، وأثر بدوره في إعادة إنتاج (بل ومونتاج) هذا التأريخ نفسه، عن طريق إنتزاع الإنجازات من أيدي الأبطال، ووضعها في يدي أفراد هذا (الجمع)، والذي أطلقت عليه اسماء مختلفة طوال القرنين 18 و 19. وتاريخ هذين القرنين هو تأريخ محاولات الجموع، الشعب، البروليتاريا، الطبقة العاملة.. الخ، من أجل قلب مفهوم التاريخ الكلاسيكي، وارستقراطية الأبطال ـ وتجيير التأريخ ـ بمعنييه الهيرودوتي والتوكيديدي ـ إلى جانبها.
* * *
وقد أخذت المحاولة الماركسية قمة شكلها الدرامي في ثورة 1917 الروسية، حيث حاولت الجموع الاستيلاء على مسرح التاريخ بكامله. ولم يطل الأمر كثيرا بالإفراز الجديد للتاريخ: (الأممية)، والتي هي عبارة عن عن سيكولوجية عامة تم الربط عن طريقها بين هذه الجموع. حتى أنها لم تستغرق سوى عدد محدود من السنوات لكي تنتج دكتاتوريتها الخاصة، الواقعية المثملة في شخص الأخ الأكبر، وليس النظرية التي تتحدث عن البروليتاريا. دكتاتورية الفرد (وليس دكتاتورية الجموع التي كانت تهدف إليها). ولم يكن ذلك سوى نوع من الهجوم على التاريخ الجديد وإعادته سيرته القديمة. وقد اعتبرت مرحلة باتجاه نهاية التاريخ في نسخته الهيرودوتية والتوكيديدية. وقد قاد فشل هذه المحاولة في إنهاء التاريخ بهذا الشكل، إلى إعادة تلك الجموع إلى موقعها القديم، وحرمانها موقعها الذي ناضلت من أجل الإستيلاء عليه. ومع ذلك، ورغم كل شيء، فقد أصبح لها رأيها في كثير من الأمور، ولم تعد مجرد جموع مجهولة تعمل في صمت من أجل مجد القلة و"تاريخيتها". وأصبح بإمكانها ـ على الأقل ـ إثارة ما يكفي من المتاعب في وجه حكوماتها، وصولا إلى تغييرها، كما أصبحت تنتج تاريخها بنفسها.
لقد تمكنت من قلب جدلية التاريخ، عندما حاول افراد من داخلها تجيير التاريخ لصالحهم وإعادته إلى إطاره الهيرودوتي وأن بمبررات جديدة، ترتكز أساسا على الجموع. وأذكر هنا أن صحيفة يونانية كانت قد عددت أكثر من عشرين صفة ولقبا كانت تطلق على تشاوشسكو في رومانيا قبل تيميشوارا، منها "نجم الكربات" و "الشمس المضيئة" و"الفكر الساطع".. الخ. وذلك في محاولة يائسة وإنتهازية لإعادة عصر البطولة القديم دون أي مبرر معقول، بل وفي الزمن الخطأ والمكان الخطأ ايضا، ودون توفر الظروف الحقيقية لذلك. وبهذا المعنى لا يمكن الحديث عن نهاية للتاريخ حتى الآن. أي عن نهاية المرحلة الضرورية التي تحتاجها البروليتاريا للإجهاز على التاريخ. ليس بالمعنى الماركسي فقط، ولا حتى الهيرودوتي والتوكيديدي، بل بالعنى الرأسمالي ايضا. وليس ذلك لأن النظام الرأسمالي ـ الليبرالي قد إنتصر على منافسة "الإشتراكي" الذي تصارع معه على مسرح التاريخ لأكثر من سبعين عاما (رسمية). ولكن لأن النظام الرأسمالي ـ الليبرالي كان قد استوعب من الدروس من منافسه ذاته، أكثر مما استوعب منافسه منه، وتمثل الكثير من طروحاته إلى حد أنه قد ينتهي بالفعل إذا بقي دون منافس يمنحه أفكارا جديدة تعطيه القدرة على الإستمرار، وعدم الوقوع ضحية الجدلية التاريخية، بسبب الإفتقار إلى التحدي الذي يمنحه القدرة على الاستمرار حسب ارنولد توينبي. أي بدون وجود التناضح osmosis الذي تمتع به ما يقرب من قرن من الزمان عبر الصراع بين النظامين. حتى أن الجموع التي يبدو أنها هزمت في المعسكر الاشتراكي، تتشابه على نحو غير معقول مع تلك (المنتصرة) في المعسكر المقابل. والتي لن يلبث النظام الذي تعيش في ظله، أن يعمل على إلحاق الهزيمة القادمة بها شخصيا. الأمر الذي يعني إعادة الكرة مرة أخرى، ربما في مكان آخر من الكوكب هذه المرة. وهذا الإحتمال وحده فقط، لا يسمح لنا بالحديث عن نهاية للتاريخ، ولكن فقط عن إعادة إنتاج للتاريخ كما حدده هيرودوت وتوكيديديس. لأن الجموع لم تعد تنتج التاريخ فقط عندما تجد نفسها في مأزق، ولكنها تنتج اعداءها ايضا. وإذا كان يمكن الحديث عن نهاية للتاريخ، فإن هناك من تحدث عن نهاية للفلسفة مثلا منذ أربعين عاما، وهو مارتن هايدغر في مؤتمر عقد عن سورين كيركغارد في عام 1969. وإذا كنا مضطرين إلى إعتبار التأريخ مثل الفكر ـ مثلما قال كروتشه ـ فإن الحديث عن نهاية للفلسفة هو مثل الحديث عن نهاية للتاريخ، ويمكن إعتبار أن فوكوياما لم يأت بجديد، وإنما جاء متأخرا بمقدار ربع قرن عن هايدغر.
وهايدغر يعني بنهاية الفلسفة، نهاية مرحلة فقط، نهاية الميتافيزيقا بمعناها الافلاطوني، والتي لا تعدو في نهاية المطاف أكثر من إعادة فحص أو تشخيص لهذه الفلسفة حسب نيتشه، الذي وصف فلسفته بأنها "عكس" للافلاطونية، وهو الأمر الذي رأى فيه هايدغر "تحقق الإمكان الأخير للفلسفة". فالفلسفة عندما فقدت العلوم التي كانت تقع في نطاقها واحدا بعد الآخر، لم يتم إعتبار ذلك خطوات متتابعة باتجاه نهاية الفلسفة. بل إنها كانت لدى هايدغر "إكمالا" للفلسفة نفسها. أي خطوات باتجاه تكاملها وتحقق إمكانها الأخير. حيث يستخدم هايدغر ـ لتفريق بين النهاية والإكتمال الكلمتين اليونانيتين (تيلوس) أي نهاية، و (تيليوسيس) بمعنى الوصول إلى الكمال، وهما كلمتان تنبعان من الجذر نفسه، وتتشابهان كثيرا، رغم الإختلاف الشاسع في الدلالة بينهما.
والحديث عن نهاية للفلسفة، يعني ضمنا نهاية الأسئلة، وهكذا فإنه من غير الممكن الحديث عن نهاية للفلسفة، لأنه ينقصنا بالدرجة الأولى ـ حسب هايدغر ايضا ـ النموذج الذي يمكننا أن نقيس عليه هذه العملية. كما تعني نهاية الفلسفة ايضا، قيام حضارة عالمية قادرة على الإجابة عن جميع الأسئلة التي كانت سببا في إنطلاق الفلسفة منذ البداية.
زكري العزابي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات زكري العزابي | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























