أوهام/ مغامرات مسيح متردد … (رواية) ترجمة زكري العزابي

كتبهاسعود سالم ، في 30 سبتمبر 2009 الساعة: 15:15 م

  1. الفصل الأول 

                 

1.     كان ثمة معلم قد جاء إلى هذا العالم، ولد في ارض انديانا المقدسة، وترعرع في التلال الغامضة شرق فورت وين.

2.     وقد تلقى المعلم معارفه حول هذا العالم في مدارس انديانا العامة، وأثناء تدربه على مهنته كميكانيكي سيارات ايضا.

3.     ولكن هذا المعلم، كانت له معارفه  حول هذا العالم من مدارس أخرى، وحيوات أخرى كان قد عاشها، وقد تذكرها، وصبح بتذكره لها حكيما وقويا، حتى ان الآخرين رأوا قوته وجاءوا إليه من أجل المشورة

4.     وقد آمن المعلم بأنه يمتلك القدرة على مساعدة نفسه وكل النوع البشري، كما آمن بما بدا له. وكذلك آمن الآخرون عندما رأوا قوته، وجاءوا إليه لكي يشفيهم من متاعبهم وأسقامهم المتعددة

5.     وقد رأى المعلم أنه حسن لأي إنسان أن يعتقد أنه إبن لله، وكما اعتقد، فهكذا كان. إذ أن الورش والمحلات التي عمل بها، كانت تزدحم بأولئك الذين جاءوا وراء تعلمياته ولمسته، وامتلأت الشوارع في الخارج بأولئك الذين جاءوا يملؤهم الشوق والأمل فقط لأن يقع عليهم ظله وهو يمر فيغيّر حياتهم.

6.     وهكذا فإن اصحاب الورش، ورؤساء العمال كانوا يطلبون منه أن يترك أدوات العمل، ويبحث عن طريقه، نظرا لما سببه ازدحام الخلق حوله، من استحالة له ولغيره من الميكانيكيين ليعملوا على السيارات.

7.     فغادر إلى الريف، وشرعت الحشود التي تتبعه تدعوه بالمسيح، وصانع المعجزات، وكما اعتقدوا.. فكذلك كان.

8.  فإذا حدث وأن عبرت عاصفة فيما هو يتحدث، فإنها لا تسقط قطرة مطر واحدة على رؤوس مستمعيه. وكان آخر واحد فيهم، يسمع صوته واضحا مثلما يسمعه اول واحد، ومهما حدث في السماء من رعد او برق. وكان دائما يتحدث إليهم حكما.

9.   قال لهم: في داخل كل منا تكمن القدرة على الصحة والمرض، والغنى والفقر، والحرية والعبودية. فنحن هم من يتحكم فيها.. لا أحد غيرنا.

10.  وتحدث صاحب طاحون وقال له: سهلة هي الكلمات بالنسبة إليك ايها السيد، لأنك ملهم ولا مرشد لنا، ولا تحتاج لأن تكدح مثلما نفعل نحن، فالإنسان لا بد له أن يكدح من أجل أن يعيش في هذا العالم.

11.   فأجاب المعلم وقال: كانت ثمة قرية من مخلوقات تعيش على امتداد قاع نهر عظيم من البلّور.

12.  وكان تيار النهر ينساب بصمت فوق كل تلك المخلوقات، الكبير والصغير، الغني والفقير، الخيّر والشرير، إذ كان تيار النهر يتبع الطريق التي تخصّه.. ولا يعرف غير ذاته البلورية.

13.  وكان كل مخلوق يتشبث متعلقا بالأغصان وصخور القاع بطريقته الخاصة. إذ كان التشبث هو طريقتهم في الحياة، ومقاومة التيار هو ما كان يتعلمه كل واحد منهم منذ ولادته.

14.   ولكن مخلوقا من تلك المخلوقات قال أخيرا: لقد تعبت من هذا التشبث، ورغم انني لا استطيع رؤية التيار بعيني، إلا أنني واثق من أن التيار يعرف إلى أين هو ذاهب.. سأرمي بنفسي للتيار واتركه يأخذني حيث يريد، فأنا سأموت من السأم على هذا النحو.

15.  المخلوقات الأخرى ضحكت عليه وقالت: يا مجنون.. اترك نفسك وسترى كيف سيلقي بك التيار الذي تعبده مقلوبا ومحطما على الصخور، ويقتلك بأسرع مما يفعل الملل.

16.   ولكنه لم يعر كلامهم اي اهتمام، وأخذ نفسا وترك نفسه للتيار يقلبه ويصدمه على الصخور.

17.  ومع ذلك رفض ان يتشبث مرة أخرى، فرفعه التيار حرا من القاع، وما عاد يسبب له ألما ولا كدمات ابدا.

18.    اما المخلوقات الأخرى التي مر بها على امتداد تيار النهر، وقد كان غريبا بالنسبة إليها ولا تعرفه، فقد نظرت إليه وصاحت: انظروا المعجزة، مخلوق يشبهنا إلا أنه يطير. انظروا.. المسيح اتي ليخلصنا أجمعين.

19.   ولكن ذلك المحمول على التيار صاح قائلا: إنني لست مسيحا أكثر منكم، فالنهر يسرّه أن يرفعنا متحررين، فقط لو جرؤنا على أن نترك أنفسنا له. ومهمتنا الحقيقية هي هذه الرحلة. هذه هي المغامرة. 

20.  ولكنهم استمروا ينادونه: بـ"أيها المخلص". وهم يتشبثون بالصخور، وعندما نظروا إليه مرة أخرى، كان قد مضى وتركهم وراءه، ينسجون الأساطير حول "المخلص".

21.   وعندما رأى ان الحشد حوله يتزايد يوما بعد يوم، أكثر فأكثر، وأقرب فأقرب من أي وقت مضى، ورأي أنهم قد اصبحوا يجبرونه على القيام بإشفائهم دون راحة، وأن يشبع نهمهم المستمر لمعجزاته. يعلمهم ويعيش حياتهم. ذهب وحيدا نحو الجبل في ذلك اليوم، وهناك صلّى.

22.  وقال في قلبه "أيها الكائن المطلق التألق، إذا كانت هي تلك إرادتك، فاعفني من هذا القدر، واعفني من هذه المهمة المستحيلة، فأنا لا استطيع أن أعيش حياة روح أخرى. ومع ذلك فإن ثمة عشرة الآف ينادونني من أجل الحياة. وأنا آسف لأنني سمحت لكل هذا بأن يحدث، فإذا كانت هي إرادتك، فاتركني أعود إلى أدواتي والآتي، ودعني أعيش مثل الرجال الآخرين.

23.  وتحدث إليه صوت من أعلى قمة الجبل، صوت لا هو صوت رجل ولا صوت امرأة، ليس مرتفعا ولا خفيضا، صوت متناهي الرقة.. والصوت قال له: ليست هي إرادتي، ولكن إرادتك هي التي تنفذ، لأن إرادتك هي إرادتي بالنسبة إليك.. فاسلك طريقك مثل بقية الرجال، ولتكن سعيدا على وجه الأرض.

24.  وكان المعلم سعيدا وهو يستمع، ثم صلّى شاكرا، ونزل من على الجبل وهو يدندن أغنية صغيرة مما يغنيه الميكانيكيون.. وعندما حاصره البشر المحتشدون بمشاكلهم ومحنهم، وهم يتضرعون إليه أن يشفيهم، ويعلمهم، ويمنحهم ما لا يتناهى من عطفه ورأفته، وأن يغمرهم بمعجزاته. قام بإلقاء إبتسامة في وجوههم، وقال لهم بلطف بالغ: لقد توقفت عن ذلك.

25.  ولبرهة وقف الحشد صامتا وقد عقدت الدهشة لسانه.

26.  ثم تحدث وقال لهم: إذا ما طلب إنسان من الله بأن ما يريده هو أن يعين العالم على شقائه، ولا يهمه ما قد يكلفه ذلك من ثمن، ثم أجابه الله وبين له كيف يفعل.. أفلا يجب على ذلك الإنسان أن يفعل مثلما قيل له..؟!!

27.   بالتأكيد أيها المعلم.. صاح الجمع قائلا.. وسيكون من الممتع بالنسبة إليه أن يعاني عذاب الجحيم نفسه، إذا ما أمره الله بذلك.

28.  "ولا أهمية لماهية العذابات.. ولا لصعوبة المهمة".

29. "فشرف أن تشنق، ومجد أن تدق بالمسامير إلى شجرة ثم تحرق، إذا كان ذلك هو ما يريده الله".. قال الجمع.

30. إذن.. فما أنتم فاعلون ـ قال المعلم للحشد ـ إذا ما تكلم الله في وجوهكم مباشرة وقال لكم: "إنني آمركم بأن تكونوا سعداء طوال المدة التي تعيشونها".. ماذا أنتم فاعلون عندها..؟!

31. وكان الحشد صامتا، فلا صوت ولا حركة كانت لتسمع حول سفوح التل وعبر الوديان حيث كانوا يقفون.

32.   وعبر الصمت تحدث المعلّم قائلا: "لنجدنّ المعرفة إذن في طريق سعادتنا، والتي من أجلها اخترنا هذه الحياة.. هذا ما تعلمته أنا في هذا اليوم، وقد اخترت أن أغادركم، لكي تسيروا في طريقكم كما تشاءون".

واتخذ له طريقا عبر الجموع، وتركهم عائدا إلى عالم الحياة العادية، عالم الناس والالآت.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول