الحركة الثورية
كتبهاسعود سالم ، في 29 يونيو 2009 الساعة: 13:51 م
اللاسلطوية الشيوعية حركة ثورية لا تستهدف الوصول للسلطة السياسية من أجل تغيير الواقع ، بل تستهدف هدم كل سلطة قمعية منفصلة عن الجماهير . تستهدف أن تحرر الطبقات المقهورة نفسها ذاتيا ، ، عبر فعلها الجماعى الواعى المنظم ، لا أن تحـل هى محل تلك الطبقات لتصنع لها ، و عبر قمعها أو إدعاء تمثيلها ما تظنه أنه يحررها ، و لا أن يتحول ممثليها لنخبة حاكمة أخرى تحتكر السلطة وأدواتها ، و لذلك فهى تختلف فى ممارستها لتغيير الواقع الاجتماعى عن كل الحركات الثورية السلطوية ، فهى تؤمن بالتحرر الذاتى للطبقات المقهورة كوسيلة وحيدة للتحرر النهائى لكل البشر ، فالثورة الاجتماعية قد يصاحبها انقلاب فى السلطة ، لكنها عموما عملية أوسع نطاقا وأعمق امتدادا من مجرد أن تستولى نخبة ثورية سواء بدعم الطبقات المستغَلة والمقهورة أم بغير دعمهم على السلطة ، وأن تحل نخبة ثورية بدلا من نخبة رجعية فى الحكم . وبناء على ذلك فالثورة اللاسلطوية الشيوعية ، ثورة اجتماعية تندلع من أسفل إلى أعلى ، بهدف بناء اجتماعى مغاير على نحو جذرى لكل ما هو معروف من مجتمعات ، بناء يتم من أسفل لأعلى ، وهو ما لا يمكن تخيله إلا كفعل جماعى منظم للطبقات المقهورة الواعية بما ولماذا وكيف تفعله ، وهو الأمر المرهون بتغير جذرى فى وعى تلك الجماهير ، ذلك التغير مشروط بظروف مادية تدفع الجماهير المحكومة للتفكير على نحو مستقل عن ما تقدمه لها السلطة من وعى ، وهو ما لا يد لنا فيه ، وظروف ذاتية تسمح بتقديم وعى بديل يدفع تلك الجماهير للفعل الجماعى المنظم نحو التغيير ، وهذا هو دورنـا الوحيد .ولكن كيف يحرر المقهورين أنفسهم ذاتيا ؟لدينا إطار من الأهداف ، ولدينا واقع اجتماعى نريد تغييره فى هذا الإطار ، ومن ثم لابد أن تكون لدينا الوسائل الكفيلة بهذا التغيير ، و بما يتلاءم مع الأهداف ولا يتناقض معها ، وهو ما وقعت فيه الاتجاهات الماركسية السلطوية ، وأورثها الفشل .لا شك أن ثمانية ألف عام من الاستغلال والعنف و القهر وصناعة الوعى الموجه لمصلحة الطبقات القاهرة ، تركت أثارها العميقة على وعى وسلوك الطبقات المقهورة ، مما أورثها نفسية المقهورين وما أدراك ما هى تلك النفسية ؟ فلا يظن أحد ، أن الهدف من التحرر من القهر والاستغلال ، هو مجرد التعاطف مع المستغَـلين والمقهورين والفقراء ، وليس مجرد الهاجس المبتذل الذى يقدمهم كملائكة لا تنقصها سوى الأجنحة ، فى حين يقدم الطرف الآخر كشياطين لا تنقصها سوى القرون . فالدافع الأخطر والأهم لنضالنا ، هو أن القهر بقدر ما هو تقييد للحرية وبقدر ما هو وسيله للاستغلال بقدر ما هو تشويه نفسى وعقلى لكل من القاهر و للمقهور ، فالعبيد لابد وأن يكذبوا وينافقوا ليضمنوا البقاء ، وأن لا يفكروا فحسب سوى فى طاعة و إرضاء سادتهم ، وهم قد ينتظرون لحظة التحرر لكى يمارسوا ما عانوا منه سابقا على عبيد آخرين ، فقد انسحقت شخصيتهم لصالح السادة ، وتمثلوا مقلوب شخصية سادتهم ظاهريا فى انتظار اللحظة التى يتمثلوها كاملة هى نفسها على من هم أدنى ، وإذا كان للسادة وسائلهم فى الإخضاع ، فللعبيد وسائلهم فى الاستفادة من وضع الخضوع ، و قس على ذلك الشعوب التى يتم استعمارها ، ومعظم النساء فى المجتمعات الذكورية اللواتى يكن أكثر محافظة على القواعد الاجتماعية التى تقهرهن من كثير من الرجال الذين يقهروهن . ويتجلى هذا الوضع بأوضح ما يكون فى المؤسسات الحكومية والعسكرية القائمة على التنظيم الهرمى ، فمن هم فى منتصف الهرم ما بين قمته العليا وأدنى قاعدته ، يمارسون القهر والسيادة والتسلط والتعالى على من هم أسفل ، فى حين يتحولون فى علاقاتهم بمن هم أعلى إلى مقهورين وخاضعين وكاذبين ومنافقين ومخادعين وهكذا.هذا عن أثر القهر والإخضاع ، أما عن الفقر والحرمان وذل الحاجة للبقاء ، فلا يقل عن أثر القهر ، ومثله مثل الرغبة فى الثروة لتفادى الفقر والحرمان ، بل وزيادتها إن وجدت فرصة ، وذلك للارتفاع درجة أو درجات فى اتجاه أعلى هرم السلطة التى تتيحه زيادة الثروة ، أو الخوف من الهبوط درجة أو درجات فى اتجاه أسفل الهرم لو فقد بعضا من الثروة . فكليهما يتسبب فى تشويه الوعى والنفس والسلوك الإنسانى كل بطريقته ، فمن هنا تتولد معظم الجرائم والشرور التى عرفتها البشرية. و إلا لماذا يسرق البشر و يخونون و يقتلون ويكذبون .. الخ ؟ أليس لتلك الأسباب بشكل مباشر أو غير مباشر .إن ثمانية ألف عام احتكرت فيهم الطبقات المالكة والحاكمة وسائل إنتاج الثقافة والمعرفة والوعى ، لتضمن بقاء الخاضعين لحكمها ، كحملان وديعة مستسلمة لأقدارها ، لا تتمنى سوى إرضاء من يرعاها ، وتعتبره قمة الشرف ، قد تركت آثارها العميقة على وعى المقهورين والمحرومين ، بما لا يمكن إزالته بمجرد كلمات تقال لتلك الجماهير ، فنحن نتلقى وعينا بكامله من المجتمع ، عبر الأسرة والتعليم والفنون والآداب والمؤسسات الدينية والإعلام وغيرها ، و لا قدرة لدينا على الاختيار والنقد والشك والبحث عن البدائل ، وكلها خاضعة لمن يملك السلطة يوجهها كيفما شاءت مصالحه فى البقاء.تخلق أجهزة صناعة الوعى السائد من أسرة وتعليم وإعلام وثقافة ودين ، عقول نقلية وتقليدية و متعصبة لما نشأت عليه من ثقافة ، عقول نزعت منها القدرة على الشك والنقد والتمرد ، فلا تعرف سوى التعصب الأعمى للعادات والتقاليد والعقائد والأفكار التى رضعتها مع لبن الأمهات حتى أنها وهى تتمرد على كل هذا لاتفعله إلا على نحو متعصب ونقلى وجامد للفكر الجديد الذى اعتنقته ، ومن هنا عدم التسامح مع أو تفهم كل ما يخالف ذلك . بل والاستعلاء بالجهل بالآخر باعتباره ميزة ، والخوف من المعرفة به باعتبارها خطرة ، ومن هنا يأتى جمود العقل بالرضا بالوضع الراهن أو الفكر الذى تم الاستقرار عليه ، استسلاما له أو خداعا للذات بفضله .عقول تحكمها العواطف والمشاعر العمياء بأكثر مما يحكمها الواقع وحقائقه، ويسهل عليها الانجذاب وراء الدعاية الديماجوجية و الإثارة العاطفية ، بأكثر مما تتأثر بحديث العلم . فمع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية أشعل الإعلام المصرى الشارع المصرى بسرعة كما أخمده بسرعة ، وتعاطف العالم مع الفلسطينيين لصور شاهدوها على شاشات التلفاز ، إلا أن التعاطف تحول فى اتجاه آخر بمجرد مشاهدة صور أخرى ، فالإعلام الذى هو إعلان فى الأساس بمعنى أنه ترويج لسلع مختلفة مادية ومعنوية ، هو ساحر الأغلبية ، وموجهها لصالح من يملكوه ، وبعد ذلك مازال البعض يتحدث عن الديمقراطية المزعومة .فاليساريون التقليديون دائما ما يملئون تحليلاتهم ، بالحديث عن قوى وعلاقات الإنتاج ، والطبقات والصراع بينها ، والثورة والسلطة السياسية ، إتباعا جامدا ومبتذلا ومحدود الأفق للتفسير المادى للتاريخ والمجتمعات ، وهو التفسير الصحيح وإن كان ليس كافيا من وجه نظرى ، إذ ينقصه الاهتمام بالوعى الاجتماعى وصناعة الوعى ، فالبشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة و اقتصادية ، وهم حتى حين ينتجون وجودهم المادى ، فأن عامل الوعى والمعرفة يلعب دورا هاما فى إطار هذه العملية ، فبرغم العلاقات الرأسمالية السائدة ، فالشركة اليابانية تدار على نحو مختلف عن الشركة الأمريكية ، لاختلاف العامل الثقافى رغم استمرار القهر والاستغلال جوهريا فى الاثنين ، فإذا كانت المسألة بهذا التبسيط المخل الذى يمارسونه لكانت الثورة الاجتماعية قد أنجزت منذ زمن طويل . فى لحظات معينة يصعب التنبؤ بها ، تندفع الجماهير المقهورة فى التمرد على السلطة ، تمردا عفويا ، حيث ينفجر بركان الغضب دون هدف واضح ، فكأنما كان هذا الخنوع والرضا واليأس والجمود يخفى وراءه تراثا عفويا عميقا من الإحساس بالقهر والاستغلال والظلم ، والرغبة المكبوتة والمضمرة فى الانفجار ، كانت تنتظر لحظة ما لا نفهمها جيدا و لا يمكن لنا توقعها على نحو دقيق ، ولكنه يكون انفجار أعمى ، بركان يثور على نحو مفاجىء ، ينفس عن كل ما تم كبته لسنوات ، ولكنه ليس بالضرورة قد يهدف لشىء سوى التعبير عن الغضب .وفى هذا تفسيرات متعددة ، فيقول البعض أن سبب التمرد والثورة هو تدهور أوضاع الجماهير الاقتصادية ، وهو تفسير ضعيف فقد عرف البشر و لآلاف من السنين التضور جوعا وبؤسا وتشردا ، ولم يدفعهم هذا للثورة ، ويقول البعض الآخر أنها التوقعات والآمال المحبطة ، وهو تفسير نفسى لا يمكن التأكد منه علميا ، ويدعى البعض أنه تغير مفاجئ فى الوعى وهو أمر مشكوك فيه حيث لا يمكن أن تتكسر كل آلة الوعى القديمة لدى كل المقهورين ، وتظهر آلة جديدة تدفعهم للثورة بلا مبرر و لا سبب ، واعتقد أن كل هذه الأسباب وغيرها قد تكون صحيحة ، ولكن ليس كل على حدة ، ولكنها تتراكم على مدى زمنى متفاعلة فيما بينها حتى تحدث فعلها ،إلا أن هذا وإن كان كافيا لتغذية التمرد الإنفجارى بشكل عام ، إلا أنه ليس كافيا لإحداث التغير الاجتماعى الذى تحدثه القوى الاجتماعية المنظمة و المرتبطة بوسائل وعلاقات الإنتاج الأكثر تقدما ، وهى ليست بالضرورة وحين تتحرك للتغيير الاجتماعى أن يكون دافعها البؤس أو الأمال المحبطة أو الوعى . وتلك العوامل الانفجارية ليست كافية فى حد ذاتها لتفسير فعل اجتماعى معقد ينتج كمحصلة للعديد من الأسباب المتفاعلة ، وأى ما كانت الأسباب الموضوعية التى تدفع للتمرد و الثورة ، فأنه حدث كثيرا ، و لا يوجد ما يمنع من تكراره عبر التاريخ البشرى ، إلا أنه فى كل مرة لم يؤد إلى التحرر النهائى من الوضع السلطوى ، فدائما ما تحل نخب جديدة بدلا من القديمة فى هرم السلطة مستخدمة جمهور المقهورين الغاضبين كوقود للتغيير ، و كروافع لوصولهم للسلطة ، وإن هذا الفعل نفسه هو القابلة التى أحدثت تطورات اجتماعية فى بعض الأحيان من نمط إنتاج لنمط إنتاج آخر ، وتغير فى شكل العلاقات بين الطبقات ، وكيفية ممارسة النخب الحاكمة للسلطة ، وأيضا وكنتيجة لكل هذا فى أشكال الوعى الاجتماعى السائدة.و برغم كل ضعف المقهورين الظاهرى نظرا لفقدانهم السلطة ومصادرها ، إلا أن قوتهم الكامنة تتجلى فى لحظات التمرد والثورة ، كونهم منتجى الثروة المادية أساس حياة المجتمع من جانب ، وكونهم يشكلون غالبية السكان من جانب آخر ، كما أن هناك حدودا وشروطا لممارسة السلطة لا يمكن تعديها عند مقاومة السلطة لتمرد الجماهير وثورتها . وكأى صراع يسفر عن منتصر ومهزوم ، يتوقف نجاح أى طرف على مدى قدرته على كسر إرادة الطرف الآخر ، وذلك بتفتيت قوته واستنزافها أو شل فاعليتها ، ومن هنا قد ينجح المقهورين فى إزالة الطبقات الحاكمة ، وقد تنجح السلطة القديمة أحيانا فى الاستمرار بقمع الجماهير أو خداعها ، تاركة الجماهير لدورة جديدة من الخضوع و اليأس ، وتمثل وعى السادة ، ثم التمرد مجددا عندما تتفاعل أسباب التمرد . و المعضلة أن الطبقات المقهورة الآن ، ونظرا لافتقادها الوعى اللاسلطوى ، قد تنجرف أثناء تمردها وراء نخب سياسية ، تمتطى تمردها من أجل أن تصل للسلطة ، وتحكم باسمها وتقمعها ، خادعة إياها بأنها تمثلها ، وأنها ما أتت إلى مقاعد السلطة إلا لتلبي مصالحها ، وقد تنجرف الطبقات المقهورة وراء زعامة ديماجوجية ، تلهب حماسها وتغازل عواطفها مضللة إياها بالأساطير الزائفة والشعارات البراقة ، لكى تستبد بها فى النهاية وتروضها بالعصا و الجزرة . و فى النهاية فأن تذمر تلك الطبقات واحتجاجها لا يعنى دائما إنها على الطريق اللاسلطوى الشيوعى، فأوهام الديمقراطية النيابية ، والاشتراكية الإصلاحية ، و الدولة القومية أو الدينية ، والزعيم الملهم والمستبد العادل ، والتحرر القومى والاستقلال الوطنى ، و الاشتراكية السلطوية ، والفاشية ، والنقابية ، و حتى حلم التحرر الفردى . كلها تتنافس فى سوق الدعاية السياسية ، و الفرق بين مروجيها هو فى تنافسهم الشرس على المستهلكين أى سائر المقهورين ، والذين بواسطتهم يضمنون البقاء فى السلطة ، أو ينجحون فى الوصول إليها على أعناق جماهير المقهورين الذى أورثها تجهيلها وتضليلها المتعمد ، وعيا عميق الجذور لا يعبر عن مصلحتها الحقيقية فى التحرر . وهذا تهديد سيظل مستمرا لأى تمرد أو ثورة قادمة ، لا يمكن تلافيه ، إلا بإحداث تغيير جذرى فى وعى تلك الجماهير .ومن هنا تأتى مهمة الحركة اللاسلطوية الشيوعية كحركة ثورية منظمة فى أن تتلافى هذا التهديد المقبل ، وبالتالى القدرة على تحويل التمرد العفوى لحركة جماهير واعية ومنظمة قادرة على تحرير نفسها ذاتيا ، وهو ما لا يمكن أن يحدث إلا إذا تحولت الحركة اللاسلطوية الشيوعية من حركة طلائع ثورية إلى حركة الجماهير نفسها ، وممارستها وتنظيمها من ممارسة وتنظيم محدودين بها ، لممارسة وتنظيم الجماهير ذاتها ، ووعيها لوعى الجماهير نفسها.يختلف اللاسلطويون الشيوعيون جذريا مع النمط اللينينى فى الثورة ، ويعتقدون أن المركزية الديمقراطية كأساس للتنظيم الثورى الممثل للطبقة العاملة ، وفكرة تمثيل الطبقة العاملة نفسها ، ومهمة الحزب فى نقل النظرية والوعى للجماهير ، والإرادية فى الفعل الثورى بعيدا عن فعل الجماهير ، وهى كل ما يميز هذا النمط هى جذور استبداديته و نخبويته. هى أسس الدولة البيروقراطية المتسلطة ، التى لا تعنى بتحرير الجماهير بقدر المحافظة على مميزات بيروقراطيتها الحاكمة .وعلى العكس من هذا ، يفترض اللاسلطويون الشيوعيون أنه وبالرغم من احتكار النخب الحاكمة لمصادر إنتاج وتوزيع المعرفة و الوعى ، فأن هذا الاحتكار ليس سدا مصمتا ، فهو و أن كان بناء هائل ، إلا أنه ورغم شموخه وصلابته الظاهرة ، فأن له ثغراته التى يمكن أن ينفذ منها أفراد يأتون من شتى الطبقات و الشرائح الاجتماعية المختلفة ، امتلكوا لأسباب متعددة تخصهم القدرة على التمرد على الوعى الرسمى السائد ونقده والشك فيه ، ومن ثم إنتاج وعى ومعرفة جديدة مخالفة لما هو سائد ، هذه الطلائع الثورية يتلخص دورها ومهمتها فى زيادة الثغرات وتوسيعها ، لتنفذ منها قطاعات من الجماهير تتسع باستمرار محولة الثغرات لفجوات ينساب منها الوعى الثورى الجديد بين غالبية الجماهير ليدمر سد الوعى القديم الجاسم على عقولهم .تلك الطلائع وهى تؤدى مهمتها التاريخية تنتظم جماعيا بنفس قواعد و مبادئ المجتمع اللاسلطوى ، ومهمتها الأساسية هدم سد الوعى السائد نظريا ودعائيا ، مقدمة الوعى الجديد كبديل ثورى حقيقى . وهى فى ذلك تركز على فضح الأيديولوجيات السلطوية التى تقدم كبديل زائف وواقعى للوعى السائد . فدور اللاسلطويون الشيوعيون ومنظماتهم هو كسر الضلع الثالث والأضعف فى مثلث مصادر السلطة وهو المعرفة والوعى . وذلك بإنتاج الوعى البديل ، ونشره بكل الوسائل المتاحة . وهى عملية متعددة الجوانب بتعدد أشكال الوعى من بحث علمى وتحليل نظرى ، ودعاية وتحريض .الخ.الثورة فى مفهوم اللاسلطويين الشيوعيين ليست انقلابا فى السلطة ، إنها عملية اجتماعية ، تقوم فيها الجماهير المتمردة والمنظمة على النسق اللاسلطوى ، بهدم بنية المجتمع القديم بما فيه السلطة القمعية ، لتبنى على أنقاضه ، مجتمعها الجديد ، وهى عملية تمارس فيها جماهير المقهورين سلطتها الجماعية ، وتبنى تنظيمها من أسفل إلى أعلى ، لتصادر الثروة من حائزيها لتحولها إلى الملكية الجماعية ، وتشل آله العنف بالعصيان المدنى الشامل ، وفى هذه العملية يقوم اللاسلطويون الشيوعيون بدور الإرشاد دون وصاية ولا إدعاء لتمثيل المقهورين أو قيادتهم ، مركزين على فضح الديماجوجين و التسلطيين للجماهير ، ومنعهم من الانحراف بالثورة عن الطريق اللاسلطوى . حتى تكتمل عملية الهدم والبناء ، لينتهى دورهم كجماعة ثورية .ذكر إنجلز فى إحدى كتاباته أن الثورة هى أكثر الأعمال تسلطا وهذا بلا شك أمر بديهى ، فهى عمل تسلطى وقمعى ، إلا أنه يتم من السواد من الناس فى الحالة اللاسلطوية الشيوعية ، من الجماهير المنظمة وبوعيها غير الزائف ، وليس من قبل نخبة تتحدث باسم الجماهير ، وتدعى تمثيلها ، وتمارس وصايتها عليها ، كما فى النمط التسلطى للثورة . فهناك تفسيران للمرحلة الانتقالية اللازمة ، ما بين المجتمع الرأسمالى والمجتمع الشيوعى.أولهما السلطوى الذى يفترض أنها دولة ديكتاتورية البروليتاريا الذى يمثلها الحزب الطليعى ، والذى تتركز في يدها كل مصادر السلطة ، والتى لابد وأن تؤول لبيروقراطية شمولية كما حدث فى الدول التى ادعت الاشتراكية.ثانيهما اللاسلطوي الجماعى الذى يفترض أن المرحلة الانتقالية هى الثورة نفسها باعتبارها عملية تاريخية ممتدة وليست مجرد الانقلاب فى السلطة ، والتى تمارس فيها الجماهير المنظمة سلطتها الجماعية على الأقلية المتسلطة ، التى لا يمكن أن تسلم بامتيازاتها و بسلطاتها ومصادر سلطاتها دون هذا التسلط الجماهيرى الجماعى ، إلا أنه تسلط موقوت بعملية سحب تلك السلطات والامتيازات ، بمصادرة أو شل مصادرها ، و بشل قدرتها على مقاومة الثورة عبر الفعل الجماعى للجماهير الواعية ، وحماية بناء المجتمع الجديد الذى ما إن يتم بناءه ، تنتهى كل سلطة قمعية منفصلة ومتعالية على الجماهير.وفى الطريق الطويل من نقطة البداية لنقطة النهاية الثورية ،على الطلائع اللاسلطوية أداء مهمتها التاريخية ليس بمجرد إنتاج الوعى ونشره ، ولكن بالانخراط فى كل نشاط يدفع المقهورين القابلين للتنظيم ليفكروا على نحو مختلف ، يدفعهم للتعرف على وعى بديل و لتنظيم أنفسهم على نحو لاسلطوى ، هناك الكثير من النضالات الصغيرة ، التى لابد وأن تتعلم منها الجماهير الثقة بقدرتها الجماعية على الفعل ، وعدم الثقة فى الأيديولوجيات السلطوية التى لا يجب التهاون معها على أى نحو.إن الطريق اللاسلطوي للثورة ، هو الطريق الذى يشل آلة العنف عندما تواجه الكتلة المتراصة والصلبة لجماهير مصممة على تحقيق أهدافها ، بالعصيان المدنى الشامل و أشكال الاحتجاج السلمى ، وهو ما لا يمكن أمامه أن تفعل آلة العنف فعلها طالما مارسته غالبية المقهورين على نحو متماسك ومنظم ، فبالعصيان المدنى الشامل يتكسر الضلع الثانى من أضلاع السلطة ، والذى يحمى الضلع الأول ، وهو الثروة التى يسهل بعد انهيار أبواق دعايتها ، وشلل حماتها المسلحين مصادرتها. ويكتسب هذا العصيان قيمته فحسب عندما يصنعه المقهورين المرتبطين بأكثر وسائل الإنتاج تقدما .هذه هى القواعد العامة التى تحكم الممارسة الثورية للاسلطوية، أمميتها الجذرية تمنعها من الاعتراف بالحدود القومية و أوهام التحرر القومى ، وثوريتها الجذرية تمنعها من التعلق بأوهام البرلمانية والإصلاحية والنقابية ، و تحرريتها الجذرية تجعلها ترفض كل تسلط و وصاية على البشر ، و احترامها الجذرى لتفرد الإنسان يجعلها ترفض جذريا سحقه وتذويبه وقمعه وقولبته وبرمجته وقهره ، و شيوعيتها الجذرية تجعلها ترفض الأنانية البورجوزاية ، وتمحور الفرد حول ذاته ومصالحه ، التى هى جوهر المثل السفلى الإنسانية ، ومن ثم تمارس لب المثل العليا الإنسانية القائمة على الجماعية والغيرية بغير ادعاءات . إنها طراز فريد من الحركات الثورية ، ترفض جذريا كل أشكال التلوث البورجوازى ، وتتسق أخلاقياتها وممارستها مع مجتمع المستقبل اللاسلطوي. فتشكل فى المجتمع الحالى أنويه مجتمع المستقبل ، فى علاقاتها وممارستها.يبقى أن أشير إلى أن البعض من ممارسات بعض اللاسلطويين ، ومواقفهم إزاء الأخلاق لا ترضينى شخصيا ، كما أنى أرفض الفهم المغلوط لقضية الأخلاق من قبل بعض اللاسلطويون ، الأخلاق ضرورة اجتماعية ، ومادمنا نتحدث عن بناء مجتمع ، فلابد أن نفهم أنه لاغنى لهذا المجتمع عن الأخلاق لتحافظ على العلاقات بين أفراده ، فالحرية الفردية المطلقة إمكانية غير متاحة إلا نظريا ، لأن الإنسان حيوان اجتماعى نشأ أصلا عن علاقة اجتماعية بين رجل وامرأة ، والمجتمعات البشرية هى خلف طبيعى لسلف من قطعان من أشباه البشر ، ومن ثم فالأخلاق ضرورة إنسانية أيضا طورتها تلك القطعان كضرورة كى يستمر القطيع . اللاسلطوية الشيوعية لا تقوم فقط على أساس الضرورة المادية لتطور المجتمعات ، وتحقيق الحرية و الإخاء والمساواة فى حدودها القصوى ، وإنما تقوم كذلك على قيم أخلاقية ترفض استغلال الإنسان وقهره وخداعه ، ولا يمكن أن تنفصل الوسائل عن الغايات ، ولا يمكن أن تمارس القهر والاستغلال والخداع ، وتدعى أنك تناضل ضدهم ، وكسر ضلع الوعى البورجوازى يستلزم تكسير قيمه الفردية والأنانية والاستهلاكية والنفعية ، ليس بمجرد الشعارات ، ولكن بالممارسة الفعلية للبديل الثورى.يبقى أن أشير إلى أن الفهم الملتبس لقضية الحرية ، يجعل العديد من اللاسلطويين يرفعون شعارات زائفة باسم الحرية ، تتناقض جوهريا مع هدف التحرر ، وتخدم استمرار احتكار السلطة ولا تقاومها إن لم ترسخها ، فيرفع البعض شعار حرية تعاطى المخدرات ومن ثم وبالضرورة الاتجار فيها بدلا من أن يناضلوا ضد الخمور والتدخين مثلا ، باعتبارها عوامل مدمرة لذات الفرد ومستعبدة لحريته وإرادته الحرة ، فأى حرية فى أن تكون مدمن للمخدرات أو الخمور ،ومن ثم يمكن السيطرة عليك بسبب سيطرة احتياجك لها عليك ، ولاشك أن هذه اللاسلطوية الزائفة تهدف لسيطرة تجار المخدرات على المدمنين بما يتعارض مع الهدف اللاسلطوي ، فاللاسلطوية الشيوعية يجب أن تقف ضد حرية تدمير الذات التى يروج لها البعض ، فالحرية المطلقة هى عبودية من نوع جديد للرغبة واللذة و لا تعنى تحرر حقيقى للإنسان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























