قضـــايا للنقــاش
كتبهاسعود سالم ، في 25 يونيو 2009 الساعة: 12:26 م
ليس من المبالغ فيه بانه قد أتيحت للمثـقفين والفنانين الذين يعيشون في العالم الثالث، أو الذين يتجذرون في هذه المناطق الموبوءة بالدكتاتوريات والفقر، والحروب، والعنف بكل أنواعه، أتيحت لهم فرصة تاريخية بأن يقدموا فكرا ورؤية جديدة للعالم يمكن سماعها وتلقيها في الغرب الرأسمالي المتخم. وذلك نظرا لوجود أزمة ثقافية وفكرية في هذا الغرب منذ ما يقارب الثلاثين عاما الآن. غيرأنه قبل البداية في أي حوارممكن، يجب الإتفاق على مبادئ أولية بسيطة تجعل الحوارممكنا. وفي هذه الحالة ليس هناك مجال واسع للخيار. فالوسيلة التي نمتلكها للتفكيرهي جهاز بدائي يسمى العقل، وهو الجهازالوحيد الذي يمكننا من الإتصال بالآخربطريقة مقبولة نوعا ما. والشيء الممكن في البداية، وقبل الدخول في التفاصيل الشائكة، والتي قد تكون موضع الخلاف في وجهات النظر، هو أنه لابد من تحديد ادوات التفكير، وترتيبها ترتيبا منهجيا يسمح بالتفكيرالمفتوح العلمي الواضح. والذي يمكننا في النهاية من الوصول إلى مبادئ أساسية يمكن أن يبنى عليها أي حوارمتعلق بالمجتمع أو بالسياسة، بالفلسفة أوالفن. بطبيعة الحال، فإنه يجب تحديد الأسس والمفاهيم المتعلقة بكل حقل من الحقول، قبل الدخول في الحوار. وهذه كلها أمورتبدوا متفقا عليها، والمثقفون، والمفكرون يعرفونها منذ وقت طويل، غيرأن المشكلة هي في تنفيذها، وتطبيقها على أرض الواقع الفكري والسياسي والفني. في البداية يجب محاولة أخذ صورة تقريبية، أو مضخمة للواقع الفكري الغربي في بداية هذا القرن، لنلاحظ أنه يطغى على عالم الثقافة عموما، والعالم الفني بصفة خاصة، نوع من فقدان التوازن، والذي يجعل رؤية هذه الطبقة - المساهمة بطبيعة وضعها الثقافي والاقتصادي في ترسيخ النظام الفكري الرسمي- رؤية مغبشة ومشوشة وغيرقادرة على تحديد أدواتها - حتى البدائية منها- في مارسة مهمتها الفكرية. والنتيجة، نوع من الفكر السحري، الذي يغذي يوميا آلاف الصفحات من الجرائد والمجلات والكتب والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المختلفة. نوع من الفكرالجاهز، والمفصل على مقاسات كل جمهورمفترض. طوفان من الكلام الخرافي الذي يرجع بالانسانية عشرات السينين إلى الوراء. حيث عودة المثالية، والوضعية، وانحسارالفكرالديالكتيكي نهائيا من ساحة الفكر، وترك المكان لفكرعاجزحتى عن إيجاد التعريفات الأولية للثقافة والفن والفكر والجمال والصورة والواقع والوعي الخ. انهم يتناقشون ويتحاورون حول هذه المفاهيم وغيرها، وكأن تاريخ الثقافة والفلسفة الغربية لم يفكرفي مثل هذه الأمور، ولم يجد لها الحلول. ورغم وجود العديد من البحوث، والدراسات العلمية الدقيقة، والمتعلقة بالعديد من هذه المفاهيم، والتي أعطتها صورتها شبه النهائية، غيرأنه بدل الرجوع إلى نتائج هذه البحوث، فإن المثقف الغربي المعاصرلايستطيع إلا أن يبدأ من جديد. نظرا لعدم قدرته- في غالب الأحيان- ولعدم تملكه الأدوات اللازمة التي تمكنه من الغوص في هذه البحوث. إن الأمريبدوكما لو أن نتائج هذه البحوث لاتنتقل من جيل إلى آخر، أو من عصرإلى آخر، أو ان لها القدرة على التراكم كميا، ودون أن يحصل أي تغيرنوعي. فنجد أكبرالمسارح الفرنسية والانجليزية ماتزال تقدم مسرحيات شكسبير وراسين وموليير، كما نجد الجامعات والكليات ماتزال تدرس الفلسفة اليونانية، والعصورالوسطى، الخ. إن الأمريبدوكما لو أن العلماء ما زالوا يناقشون فكرة كروية الأرض، أو وجود البكتريا، أو التشكيك في سرعة الضوء، أو أية حقيقة علمية أخرى. الحقيقة اليوم في الثقافة والفن والفلسفة هي غياب أية حقيقة، ولو حقيقة واحدة ثابتة تمكن البحث الفلسفي من التقدم ولو خطوة واحدة، وبطريقة واضحة. إذ ما تزال أفكارنيتشة وكتبه تحتل مكانا كبيرا بين المطبوعات الفلسفية، رغم الكارثة الفكرية الناتجة عن مثل هذا النوع من التفكير، أي ممارسة الفلسفة بواسطة الشعر. فنقرأ في زرادشت " ولا أجد فائدة في العمل من أجل إيجاد المساواة بين الناس، بل أدعوإلى عكس ذلك، إلى تقوية الفروق، وتعميق المهاوي، لإلغاء المساواة، وخلق الرجال الأشداء، حتى يولد الإنسان المتفوق". ومازالت عشرات المدارس الفكرية والأدبية والفلسفية تدرس خرافات فرويد عن اللاوعي، وعن العقد المختلفة التي تملأ مخزن الذات الإنسانية. ومازال اليوم بعض الفلاسفة والمفكرين يعتقدون في وجود "الطبيعة الإنسانية"، وبأن جوهرالإنسان أو ماهيته سابق على وجوده، وبأن الإنسانية فكرة تقدمية، ناسين أنها فكرة وضعية، ترجع إلى عدة قرون مضت، ومازال هناك أناس مثقفون يعتقدون بوجود الله، ويقيمون أنظمة فلسفية واجتماعية على هذه الحقيقة. فكيف نستطيع بعد ذلك أن نقيم حوارا من أي نوع مبنيا على كل هذه "اللاحقائق". مازلنا نستطيع أن نشتري كتب سيلين وهايدغر، رغم أفكارهما النازية. ورغم هذا فاننا لانعرف حتى الآن ماهو الأنا، وماهو الوعي، وما هي الصورة، والخيال، والذاكرة، الخ. هذا الفقرالثقافي الناتج عن أزمة عامة اجتاحت أوربا منذ السبعينيات، نظرا لغياب آخرالفلاسفة والمفكرين الأوربيين. ولم يبق اليوم إلا فكرجامعي كلاسيكي غيرقادرعلى تجاوز تدريس الماضي، او شرحه في أحسن الأحوال. وهذا ينعكس بطبيعة الحال على المواقف السياسية اوالاجتماعية التي يتخذها المفكر في حياته في بعض الأحيان. حيث نرى انحسارا كبيرا لتدخل المثقف أو الفنان في الحياة اليومية السياسية. ونرى انحطاطا في هذه المواقف عندما يتخذونها، وذلك لأنهم في عزلتهم الفكرية قد فقدوا أى اتصال بالواقع الحي فقدانا كاملا. اما الذين احتفظوا ببعض العلاقات والصلات الاجتماعية والساسية، فانها تتم عبرشاشة التلفزيون او صفحات الجرائد والمجلات الرأسمالية البرجوازية. وحتى المواطن الأوربي العادي يعرف اليوم أن معلومات المثقف أو الفنان عن أية قضية اجتماعية هي في الغالب خاطئة وناقصة ومنتقاة، وأحيانا مزيفة. وأنه ليست لهذا المثقف او الفنان القدرة على تعديل هذا الوضع من خلال موقعه وسط شبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي انخرط فيها. حيث انه في أغلب الأحيان موظف لدى الدولة، أو لأحدى الشركات الرأسمالة، ولايملك حرية حقيقية. فالمثقف الآن يتعامل مع " صور" الأحداث، بدل تعامله مع الأحداث ذاتها، وهذا يؤثرحتما على رؤيته للأشياء، حتى ولو لم توجد علاقة سببية مباشرة، وذلك أن هذا المثقف أو الفنان قد فقد قدرته على التفكير، وانحازإلى اللغة الشعرية والإنشائية. وهي اللغة التي يفرضها عصر التكنولوجيا والسرعة، عصرالتصوير. هذه اللغة المسطحة لاتسمح بأية طريقة من الطرق بالوصول إلى جوهرالأشياء ذاتها، إذ انها تزيد من الأسواروالحواجزالتي تفصلنا عن العالم. وكل كلمة أوصورة بدل ان تكون سلاحا وقنبلة تفجرقشرة الكلمة وتعريها، لنصل إلى المعنى الداخلي، نجد على العكس من ذلك، طوفانا من النثرالممل، والشعرالرديء. ونرى جلودا وقشورا أخرى تخنق الكلمة وتضخمها باستمرار، معتقدين بأننا سنصل بالوصف الشعري إلى حقيقة الأشياء. أحد هذه المؤشرات المهمة التي تثبت هذا "التشويش" في الرؤية، هو موقفهم من القضية الفلسطينية، وبالذات بعد 11 سبتمبر، حيث ان الأغلبية الساحقة من المثقفين الغربيين يقفون صراحة مع الصهيونية، وقاموا بشن حملة رهيبة- في فرنسا بالذات- ضد كل من يساند القضية الفلسطينية، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فواصلوا حملتهم ضد كل من لايساند إسرائيل، واعتبروا أي هجوم على إسرائيل عملا مضادا للسامية. بل وصل بعضهم إلى القول بأن انتقاد امريكا في حد ذاته يعتبرعملا مقنعا للهجوم على إسرائيل، وبالتالي هو عمل ضد السامية. ولكن دون أن يمنع ذلك وجود قلة من المثقفين الذين يساندون المقاومة الفلسطينية. والذين تجمعوا حول محمود درويش (البرلمان العالمي للأدباء والشعراء)، واصدروا بيانا أثار ضجة في الاوساط الثقافية، وفي أجهزة الاعلام. وهناك قضايا اخرى تتميز بنفس التشويش الايديولوجي والفكري فيما يتعلق بالعمال الأجانب، وأوربا، والوطنية، والحرب ضد العراق، والموقف من أمريكا، إلى آخرهذه القضايا المرتبط بعضها ببعض إرتباطا عضويا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























