كسونى واعطونى نقوداً ، النقود كى أبدأ بها ، أعرف ذلك ، وإذا انتهت فلابد من الحصول على غيرها ، إذا أردت أن أستمر ، الشيء نفسه بالنسبة للحذاء ، فحينما يتمزق يجب أن أصلحه أو أستبدله أوأسير حافياً ، إذا أردت أن أستمر ، ينطبق هذا أيضاً على السترة والبنطلون ، و غنى عن القول ، إنى أستطيع العيش بدون السترة إذا أردت ، الملابس : من حذاء وجوارب وقميص و سترة ، لم تكن جديدة ، لكن الميت كان يقاربنى فى الحجم ، يمكننى القول إنّه كان أقصر قليلاً ، أنحف قليلاً ، لأن الملابس لم تناسبنى تماماً فى البداية ، كما أضحت فى النهاية ، خاصة القميص ، فقد مرت أيام عدة قبل أن أتمكن من زرّه عند الرقبة ، أو الإستفادة من الياقة التى تناسبه ، أو شبك طرفيه القريبين من ساقى بالطريقة التى علمتها لى أمى
لابد أنه ارتدى ملابس الأحد للذهاب إلى غرفة الفحص ، ربما للمرة الأولى ، ثم لم يستطع احتمالها بعد ذلك ، فليكن ، كانت القبعة مستديرة سوداء وفى حالة جيدة ، قلت لهم احتفظوا بقبعتكم وأعطونى قبعتى ، وأضفت أعيدوا لى البالطو ، أجابوا أنهم قد احرقوهما مع كل ملابسى الأخرى ، أدركت أن النهاية قريبة على الأقل إلى حد ما
فى فترة لاحقة ، حاولت استبدال هذه القبعة بكاب أو ببرنيطة لها حافة يمكن أن أسدلها على وجهى ، لكنى لم أفلح ، ومع ذلك لبستها لأنى لا أستطيع التجول عارى الرأس بالحالة التى تبدو عليها جمجمتى . كانت فى البداية حقيرة على رأسى ، ثم اعتادتنى ، أعطونى ربطة عنق بعد نقاش طويل ، بدت لى جميلة ، وحينما أتوا بها أخيراً ، لم تعجبنى ، كنت تعباً فلم أرفضها ، وقد أضحت ذات فائدة فى النهاية ، كانت زرقاء بنقوش من نجوم صغيرة
لم أشعر أنى بصحة جيدة ، لكنهم أخبرونى أنى بصحة تسمح لى بالمغادرة ، لم يوضحوا أن صحتى جيدة كما يجب أن تكون ، لكن ذلك كان مضمون كلامهم
استلقيت كسلان على السرير ، واحتاج الأمر إلى ثلاث نساء ليلبسننى السروال ، لم يبد عليهن أى اهتمام بأعضائى الخاصة ، التى - وأقول الحق – ليس فيها ما يستحق أن يشار إليه ، فأنا نفسى لم أهتم بها كثيراً ، لكن كان يجب أن تكون هناك ملاحظة ما ، حين انتهيت ، نهضت وأكملت ارتداء ملابسى بلا عون ، أخبرننى أن أجلس على السرير وأنتظر ، ، كل ما كان يغطى السرير قد اختفى ، وقد أغضبنى أنهن لم يتركننى أنتظر فى سريرى المألوف بدلاً من أن أقف فى البرد بهذه الملابس (المكبرتة) قلت : كان يجب تركى فى السرير حتى اللحظة الأخيرة ، جاء رجال بملابس بيضاء ، بأيديهم مدقات خشبية ، فككوا السرير وحملوا أجزاءه ، تبعتهم إحدى النسوة ، وعادت بكرسى وضعته أمامى ، لقد أحسنت إذ تظاهرت بالغضب ، ولأبين لهم بوضوح تام مقدار هذا الغضب ضربت الكرسى بركلة طيّرته ، دخل رجل أشار لى أن أتبعه ، فى الصالة أعطانى ورقة لأوقعها ، قلت ما هذه ؟ تصريح مرور؟ قال إيصال بالملابس والنقود التى تسلمتها ، قلت : أى نقود ؟ ساعتها سلمنى النقود ، أتصدق كدت أغادر دون بنس واحد فى جيبى ، المبلغ ليس كبيراً إذا قورن بمبالغ أخرى، ولكنه بدا لى كبيراً ، ودعت الأشياء المألوفة بنظرى ، رفقاء ساعات طويلة محتملة ، الكرسى بلا ظهر مثلاً ، أعز الأشياء ، أوقات بعد الظهر الطويلة معاً ، فى انتظار حلول موعد النوم ، أحياناً كنت أشعر أن حياته الخشبية تغزونى حتى أغدو كقطعة خشب قديمة ، لقد كان فيه حتى مكان لدملى ، ثم هناك لوح النافذة الزجاجى برقعته المغبشة حيث اعتدت أن ألصق عينى فى أوقات الضيق ، ونادراً بلا نتيجة ، قلت : أنا مدين لكم بشدة ، هل هناك قانون يمنعكم من طردى عارياً ومفلساً ؟ أجاب : ذلك سيدمر سمعتنا على المدى الطويل ، قلت : ألا يستطيعون إبقائى فترة أطول قليلاً؟ يمكننى أن أكون مفيداً ، قال : مفيد! دع المزاح جانباً ، أيمكنك حقاً أن تكون مفيداً ! وأضاف بعد لحظة : لو أيقنوا أنك ستكون مفيداً لأبقوك . أنا على ثقة من ذلك ؛ لن أبدأ ذلك ثانية ، كم أشعر بالضعف ، قلت : ربما يوافقون أن يستعيدوا النقود ويبقونى فترة أطول ، قال : هذه مؤسسة خيرية والنقود هبة تأخذها حين تغادر وإذا انتهت فعليك أن تتدبر أمرك للحصول على المزيد إذا أردت أن تحيا ، لا تعد إلى هنا أبداً ، ومهما فعلت فلن يسمح لك بالدخول ، ثم لا تذهب إلى أى فرع آخر فسيطردونك ، صحت مبرطماً ، قال : لست عجوزاً لدرجة كبيرة ، قلت : هل يمكننى أن أنتظر حتى يتوقف المطر ؟ قال : يمكنك أن تنتظر فى الرواق ، المطر سيستمر طوال اليوم ، يمكنك الإنتظار حتى السادسة مساء ، ستسمع الجرس ، إذا اعترضك أحد فقل فقط إنك معك تصريح بإتقاء المطر فى الرواقى ، قلت : ما الإسم الذى أقوله ، قال : وير
لم يمض وقت طويل وأنا فى الرواق حتى توقف المطر وسطعت الشمس، كانت منخفضة وخمنت أنها داخلة على السادسة واضعاً الفصول فى الإعتبار ، مكثت هناك متطلعاً عبر المدخل المقنطر إلى الشمس وهى تختفى ، برز لى رجل وسألنى ماذا أفعل ؟ وماذا أريد ؟ أجبت بلطف شديد : إن مستر وير سمح لى بالبقاء حتى الساعة السادسة ، ابتعد ، لكنه عاد لتوه ، لابد أنه تحدث مع مستر وير لأنه قال : لا تتسكع فى الرواق فالمطر قد توقف
شققت طريقى عبر الحديقة ، كان هناك ذلك الضوء الغريب الذى ينهى يوماً من مطر متواصل ، حيث تظهر الشمس وتصفو السماء فى وقت متأخر دون فائدة ، الأرض تصدر أصواتاً كالتأوهات ، وآخر القطرات تتساقط من السماء الصافية الفارغة ، ولد صغير يمد يديه إلى السماء ويسأل والدته كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا ؟ تذكرت فجأة أنى نسيت أن أطلب من مستر وير قطعة خبز ، كان بالتأكيد سيعطينيها ، فكرت بذلك بالفعل أثناء نقاشنا فى الصالة ، قلت لنفسى لنُنه حديثنا أولاً ثم أطلب منه بعد ذلك ، كنت متأكداً أنهم لن يبقونى ، كان يسعدنى أن أعود ، لكنى كنت أخاف أن يوقفنى الحراس ويخبرونى أنى لن أستطيع رؤية مستر وير ثانية ، وذلك سيضاعف أحزانى ، وعلى كل حال ، فهل فى مثل هذه الظروف أنا لا أرجع أبداً
فى الشارع تهت . لم أخطُ فى هذا الجزء من المدينة منذ وقت طويل ، وبدا لى أنه تغير كثيراً ، مبان كاملة اختفت ، الأسيجة تبدلت مواقعها ، وفى كل ناحية أسماء تجار بحروف كبيرة لم أرها من قبل ، تلعثمت فى نطقها ، شوارع لا أذكرها وبعض ما أذكره قد تلاشى ، وأخرى تغيرت أسماؤها تماماً ، إحساسى العام كان هو نفسه ، حقيقة لم أعرف المدينة جيداً ، إنها مدينة أخرى مختلفة
لم أعرف أين يُفترض أن أذهب ، كان حظى كبيراً أكثر من مرة فى ألا تدوسنى العربات ، شكلى مازال يبعث فى الناس الضحك ، تلك الضحكة القلبية المرحة المفيدة للصحة ، سرت ، محافظاً أن يكون ذلك الجزء الأحمر من السماء على عينى قدر إمكانى ، فوصلت النهر ، هنا بدا لى للنظرة الأولى أن كل شيء كما تركته ، ولكن بتدقيق النظر تجد بلا شك تغيرات كثيرة ، وقد قمت بهذا بعد ذلك ، لكن المنظر العام للنهر بتدفقه بين ضفتيه وتحت قناطره ، لم يتغير ، نعم ، مازال النهر يعطى انطباعاً بأنه يتدفق فى الإتجاه الخاطئ ، حزمة من الأوهام تنتابنى ، مقعدى مازال هناك ، تشكل ليناسب انحناءات الجسد ، يقع بجانب حوض مياه ، هدية من مسز ماكسويل إلى خيول المدينة ، كما هو موضح عليه ، عدة أحصنة استفادت من الأثر ، أثناء فترات الإستراحة القصيرة التى قضيتها هناك ، كنت أسمع الحدوات الحديدية تقترب ، وصلصلة عدة الحصان ، ثم الصمت ، ذلك لأن الحصان ينظر إلىّ ، ثم صوت الشرب ، ثم الصمت ثانية ، حتى يرتوى الحصان أو يعتقد الحوذى أنه ارتوى . الخيل فى طبعها القلق ، ذات مرة حين توقفت الضجة ، التفت فوجدت الحصان ينظر نحوى ، والحوذى ايضاً ، لا شك أن مسز ماكسويل ستسعد لو رأت حوضها يقدم هذه الخدمات للمدينة
حينما حل الليل ، بعد شفق ممل ، خلعت قبعتى التى كانت تؤلمنى ، تشوقت أن يضمنى مكان خال ، حميمى ودافئ ، مضاء صناعياً ، أختار له مصباحاً غازياً بضوء قرنفلى ، وبين حين وآخر يمر علىّ صديق ليتأكد أنى بخير ولا أحتاج شيئاً ، لقد مضى وقت طويل دون أن أتشوق لشيء ، وتأثير ذلك على نفسى قاسياً
فى الأيام التالية ، درت على عدة أماكن للسكن ، دون أن أوفق ، عادة يصفقون الباب فى وجهى حتى حينما أبرز نقودى وأتعهد بالدفع أسبوعاً مقدماً أو أسبوعين ، لكن بلا نتيجة ، اتحلى بأحسن صفاتى ، وأبتسم وأتكلم بطريقة توحى بالثقة ، يصفقون الباب فى وجهى حتى قبل أن أنهى كلامى ، لكن هذه المرة أتقنت طريقة لرفع القبعة بشكل محبب ومميز ، لا مبتذلاً ولا وقحاً ، أخفضها بمهارة إلى الأمام ، ثم أرفعها للحظة بطريقة متوازية حيث لا يرى من أخاطبه قرعتى ، ثم أعيدها ثانية على رأسى ، ولكن أفعل ذلك بشكل طبيعى دون خلق انطباع غير محبب ، ليس الأمر سهلاً
حينما اعتقدت أن إمالة القبعة ستكون كافية ، لم أفعل أكثر من إمالتها ، وحتى ذلك لم يكن سهلاً ، حللت هذه المشكلة بعد ذلك ، وبشكل أساسى أوقات الشدة ، بارتداء قبعة عسكرية وأداء التحية ، لا ، كان ذلك خطأ بالتأكيد ، لا أدرى ، احتفظت بقبعتى فى النهاية ، لم أرتكب أبداً غلطة ارتداء النياشين
بعض المالكات كن فى حاجة ماسة إلى النقود حتى إنهن سمحن لى بالدخول على الفور والفرجة على الغرفة ، لكنى لم أصل إلى إتفاق مع أى منهن ، وأخيراً وجدت بدروماً وصلت إلى اتفاق مع صاحبته على الفور ، غرابة أطوارى ، ذلك هو التعبير الذى استخدمته ، لا تزعجها ، ومع ذلك فقد أصرت على أن ترتب السرير وتنظف الغرفة مرة فى الأسبوع بدلاً من مرة فى الشهر كما طلبت ، قالت أنه يمكننى الإنتظار فى الفناء أثناء التنظيف الذى لن يستغرق وقتاً طويلاً ، وأضافت بتعاطف شديد أنها لن تتركنى أبداً أنتظر فى جو سيئ ، أعتقد أنها كانت يونانية أو تركية ، لم تتحدث عن نفسها أبداً ، لكننى ظننت أنها أرملة أو على الأقل هجرها زوجها ، تتحدث بلهجة غريبة ، ولكنى بدورى لهجتى غريبة أدمج الحروف المتحركة وأحذف الساكنة
لم أدر أين أنا ، فالرؤية أمامى مغبشة ليست حقيقية ، لا أرى شيئاً من المنزل الذى يرتفع خمسة أو ستة طوابق ، مبنى ، ربما جزء من صف من المبانى المتشابهة ، وصلت عند الغسق ، ولم أعط انتباهاً كافياً للمنطقة المحيطة ، كما كان المفروض أن أفعل لو ظننت أنهم سيصبحون جيرانى ، لكنى الآن فقدت كل امل ، حقيقة إنى حينما تركت هذا المنزل كان اليوم بهيّاً ، لكنى لا أنظر للخلف حينما أغادر ، لا بد أنى قرأت فى مكان ما حينما كنت صغيراً أنه من الأفضل ألا تنظر خلفك حينما تغادر ، ومع ذلك فإنى أحياناً أفعل ، وحتى بدون النظر إلى الخلف يبدو لى أنى رأيت شيئاً حينما غادرت ، ولكن ما هو ؟ كل ما أذكره خطواتى تنبثق من ظلى قدماً بعد أخرى ، حذائى نشف والشمس أظهرت الشقوق فى جلده
لابد من القول إنى استرحت تماماً فى هذا البيت ، فعدا بعض الجرذان فقد كنت وحيداً فى البدروم ، وبذلت المرأة جهدها لتحافظ على اتفاقنا ، عند الظهر كانت تحضر لى صينية كبيرة من الطعام وتأخذ صينية اليوم السابق ، وفى الوقت نفسه تحضر لى قصرية نظيفة لها يد طويلة تشبكها فى ذراعها لتبقى يداها طليقتان لحمل الصينية ، ولا أراها باقى اليوم أبداً ، إلا أحياناً حينما تتلصص لتتأكد أن لاشيء حدث لى ، ولحسن الحظ فأنا لا أحتاج إلى الحنان ، من سريرى أرى الأقدام تروح وتجئ على الرصيف ، وفى أمسيات معينة ، حينما يكون الطقس جميلاً ، أشعر أنى جميلاً مثله ، أضع الكرسى فى الفناء وأجلس ناظرأ إلى جونلات النسوة العابرات
طلبت نبتة زعفران غرستها فى وعاء ووضعتها فى الفناء إنها تخضر فى الربيع وربما هذا ليس أوانها المناسب ، تركت الوعاء خارج الغرفة وربطته بخيط مررته من النافذة ، وفى المساء حين يكون الطقس جميلاً ويزحف ضوء الشمس قليلاً على الحائط ، أجلس قرب النافذة وأشد الخيط لأبقى الوعاء فى الضوء والدفء ، لم يكن ذلك سهلاً ، لم أدر كيف أرعاها ، فكل ذلك لم يكن مناسباً لها ، كنت أسّمدها قدر استطاعتى فأبول عليها حين يكون الجو جافاً ، ربما ذلك لم يكن الشيء المناسب ، لقد أورقت ولكن بلا زهور ، ساق ذابلة وبضع وريقات صغيرة ، وددت أن يكون لدىّ زعفران أصفر أو زهرة الحدقية ، ولكن فى الفناء ، لن يجدى ، أرادت السيدة أن ترميها لكنى قلت لها أن تتركها ، أرادت أن تشترى لى نبتة أخرى فقلت لها لا أريد ، أكثر ما آذانى ضجيج الأولاد باعة الصحف ، يدربكون كل يوم فى الساعات نفسها ، أكعاب أقدامهم تدق الطوار صائحين بأسماء صحفهم وأحياناً بالمانشيتات ، ضجة المنزل تزعجنى بدرجة أقل ، بنت صغيرة إن لم يكن ولداً صغيراً ، كانت تغنى كل مساء ، فى الوقت نفسه فى مكان ما فوقى ، لم أستطع تمييز كلمات الأغنية لمدة طويلة ، ولكن سماعها يوماً بعد يوم ، جعلنى أخيراً ألتقط بعض مقاطعها ، كلمات غريبة بالنسبة لولد صغير أو بنت صغيرة ، أكانت أغنية من تهيؤاتى أم أنها تصلنى فعلاً من الخارج ؟ كانت نوعاً من التهويدة على ما أعتقد ، فهى غالباً تبعثنى إلى النوم ، حتى أنا ! أحياناً كانت تأتى بنت صغيرة ، لها شعر أحمر طويل يتدلى فى ضفيرتين ، لم أعرف من هى ، كانت تتسكع قليلاً فى الغرفة ثم تمضى بلا كلمة
ذات يوم زارنى أحد رجال الشرطة ، قال إنى يجب أن أوضع تحت المراقبة دون أن يفصح عن السبب ، مشبوه ، ذلك هو السبب ، قال لى إنى مشبوه ، تركته يتحدث ، لم يجرؤ على اعتقالى أو ربما كان قلبه طيباً ، وقسيس أيضاً ، ذات يوم زارنى قسيس ، أعلمته أننى أنتمى إلى فرع الكنيسة البروتستانتية ، سألنى عن رجل الدين الذى أود رؤيته ، رجل من الكنيسة البروتستانتية الكالفنية ، قال أنت ضائع ، ذلك لا يمكن تجنبه ، ربما كان له قلب طيب ، أخبرنى أن أعلمه إذا احتجت مساعدة ، أعطانى اسمه وشرح لى كيف أتصل به ، كان يجب أن أدوّن ملاحظة بذلك
ذات يوم ، قدمت لى المرأة عرضاً ، قالت إنها فى حاجة ماسة للنقود وأننى إذا دفعت لها ستة أشهر مقدماً فستنخفض الأجرة بمقدار الربع فى هذه الفترة ، وميزة هذا العرض أنه يوفر ستة أسابيع ، الأجرة ، وسيئة تبذير رأسمالى الصغير ، لكن هل يمكن القول أن ما سأفعله سيئة ؟ ألن أمكث هنا حتى آخر بنس معى ؟ وحتى إلى ما بعد ذلك ، حتى تطردنى
أعطيتها النقود وأعطتنى الإيصال
وذات صباح ، بعد هذه الصفقة بفترة قصيرة ، استيقظت على رجل يهزنى من كتفى ، لم تكن الساعة جاوزت الحادية عشرة بكثير ، طلب منى أن أنهض وأغادر بيته على الفور
يمكننى القول أنه كان واثقاً تماماً مما يقول ، قال إن دهشته لا تقل عن دهشتى ، فهذا البيت بيته ، ملكه ، والمرأة التركية غادرت فى اليوم السابق ، قلت لكنى رأيتها الليلة الماضية ، قال : أنت مخطئ فقد أحضرت لى المفاتيح فى المكتب فى وقت لا يتجاوز بعد ظهر أمس ، قلت ، لكنى دفعت لها أجرة ستة أشهر مقدماً ، قال : استعد نقودك ، لكنى لا أعرف اسمها دعك عن عنوانها ، قال : لا تعرف اسمها ! لا بد أنه ظن أنى أكذب ، قلت : أنا مريض لا أستطيع أن أغادر هكذا دون إخطار ، قال : لست مريضاً إلى هذا الحد ، وعرض أن يرسل فى طلب سيارة أجرة أو حتى سيارة إسعاف إذا فضلت ذلك ، وقال أنه يحتاج الغرفة فوراً لخنزيره ، وأضاف أنه وهو يكلمنى فإن الخنزير سيصاب بالبرد فى العربة الكارو أمام الباب ولا يوجد من يعتنى به سوى صبى من أولاد الشوارع لم يره قبل وربما هو الآن مشغول بتعذيب الخنزير ، سألته إذا كان فى إمكانه أن يعطينى مكاناً أخر ، أى ركن قديم حيث يمكننى أن أمكث فترة تكفى لشفائى من الصدمة ولاتخاذ قرار فيما أفعله ، قال إنه لا يستطيع ، وأضاف : ولا تظن بذلك أنى قاسى القلب ، قلت : أستطيع أن أعيش هنا مع الخنزير وأعتنى به ، قال : هيا هيا ، تمالك نفسك كن رجلاً ، انهض كفاية
ضاعت أشهر الأمان الطويلة التى حلمت بها فى لحظة ، فى النهاية فإن أمرى لا يخصه ، كان فى الحقيقة صبوراً للغاية ، لا بد أنه زارنى فى البدروم أثناء نومى
شعرت بضعف وقد كنت ضعيفاً ، تعثرت فى الضوء المعتم ، حملنى باص إلى الريف ، جلست فى حقل فى الشمس ، غرزت أوراق شجر حول حافة قبعتى لتأتينى بالظل ، الليل كان بارداً ، تجولت لساعات فى الحقل ، وأخيراً تعثرت بكومة من الروث
فى اليوم التالى بدأت رحلة العودة إلى المدينة ، أنزلونى من ثلاث حافلات ، جلست على جانب الطريق وجففت ملابسى ، استمتعت بذلك . قلت لا شيء يمكن عمله الآن ، لا شيء إطلاقاً حتى تجف ، وحينما جفّت نفضتها بفرشاة ، أعتقد أنها مقشة وجدتها فى إصطبل ، فى الإصطبلات كان دائماً خلاصى
ذهبت إلى منزل وتسولت كوباً من اللبن وشريحة خبز وزبد ، وأعطونى كل شيء عدا الزبد ، قلت : هل يمكننى الإستراحة فى الإصطبل ؟ قالوا : لا ، مازالت رائحتى منتنة ، لكنها تسرنى ، أُفضلها على رائحتى السابقة التى حرمتنى من الشم إلا من نسمة بين حين وآخر
فى الأيام التى تلت اتخذت الخطوات الضرورية لإستعادة نقودى ، لكن لا أعرف بالضبط ما حدث ، هل أنى لم أجد العنوان ، أو لم يكن هناك عنوان ، أو أن المرأة اليونانية لم تكن معروفة هناك ، قلّبت جيوبى بحثاً عن الإيصال فى محاولة لفك لغز الإسم ، لم أجده ، ربما سرقته وأنا نائم
لا أدرى كم مكثت جائلاً بهذا الشكل ، أستريح تارة هنا وتارة هناك ، فى المدينة وفى الريف ، عانت المدينة كثيراً من التغيرات ، والريف لم يعد كما أتذكره ، لكن التأثير العام كان نفسه
ذات يوم لمحت ابنى ، كان يمشى بخطى سريعة وحقيبة تحت ابطه ، رفع قبعته وانحنى ، ورأيت أنه أصلع كطائر الغرة ، كنت شبه متأكد أنه هو ، استدرت لألاحقه بنظرى ، انطلق بسرعة بأرجله التى تشبه أرجل البط ، منحنياً ، ماسحاً بقدميه الأرض وهو يرفع قبعته يميناً ويساراً ، لا يطاق ابن الكلبة
يوماً ما قابلت رجلاً عرفته فى الأيام الخوالى ، يعيش فى مغارة قرب البحر ، عنده حمار يرعى فى الصيف والشتاء فوق الصخور وعلى الممرات الضيقة التى تقود إلى البحر ، وعندما يسوء الطقس جداً ، يلجأ إلى الكهف حتى تنتهى العاصفة ، وهكذا أمضيا ليالى كثيرة يتداولان الحديث معاً بينما الريح تعوى والبحر يصخب على الشاطئ ، وبمساعدة هذا الحمار كان باستطاعته أن يوصل الرمل والحشائش البحرية والقواقع لحدائق سكان المدينة . لا يستطيع أن يحمل كثيراً فى المرة الواحدة ، فالحمار كان كبير السن ضئيل الحجم والمدينة بعيدة ، لكنه كان يكسب قليلاً من النقود تكفيه ليجد دخانه وكبريته وليشترى قطعة خبز بين حين وآخر
وأثناء إحدى تنقلاته هذه قابلنى فى الضواحى ، كان المسكين مسروراً لرؤيتى ، رجانى أن أرافقه وأقضى الليل عنده ، قال : امكث كما تشاء ، قلت : ما بال حمارك ؟ قال : لاتهتم به فهو لا يعرفك ، ذكرته أنى لست معتاداً أن أبقى مع أحد أكثر من دقيقتين أو ثلاث وأن البحر لا يوافقنى ، بدا عليه الحزن الشديد لسماع ذلك ، مضينا معاً فى ظلال أشجار الكستناء المتفتحة على الطوار ، أمسكت الحمار من شعر العنق ، يدأ أمام الأخرى ، سخر منا الأولاد الصغار ورمونا بالحجارة ، لكن تنشينهم كان ضعيفاً ، أصابونى مرة واحدة فقط وفى القبعة ، أوقفنا شرطى واتهمنا بإزعاج الأمن ، رد عليه صديقى بأننا من خلق الله المساكين كما أن الأولاد من خلق الله أيضاً وفى مثل هذه الظروف فمن المحتم أن يختل الأمن من وقت لآخر ، وقال : دعنا نواصل السير وسيستتب النظام وسط دهشتك
اتخذنا طريقنا فى الدروب الخلفية الترابية الهادئة ، وسط أسيجة من الزعرور البرى وشجيرات الفوشيه الحمراء ، وممرات بدت فيها شراشير من الأعشاب والزهور البيضاء ، هبط الليل ، حملنى الحمار إلى مدخل الكهف ، لو كنت وحدى لفقدت طريقى عبر الممر المتعرج شديد الإنحدار إلى البحر ، وعاد الحمار صاعداً إلى مرعاه
لا أعرف كم مكثت هناك ، ولا بد من القول أن الكهف كان منسقاً بشكل ظريف ، عالجت قمل عانتى بالماء المالح وعشب البحر ، لكن لابد أن بعض البيض قد نجا ، وضعت كمادات من أعشاب البحر على جمجمتى ، أراحتنى كثيراً ولكن لفترة غير طويلة ، كنت أستلقى فى الكهف ، وأحياناً أتطلع إلى الأفق ، فأرى فوقى قبة زرقاء شاسعة مرتفعة دون جزر أو ألسنة داخلة فى البحر ، فى الليل كان يسطع ضوء فى الكهف على فترات منتظمة ، وكان أن وجدت قارورة الدواء الصغيرة فى جيبى ، لم تكسر لأن زجاجها كان حقيقياً ، اعتقدت أن مستر وير صادر كل ممتلكاتى ، مضيفى كان فى الخارج معظم الوقت ، كان يغذينى على السمك ، من السهل لرجل ، رجل عادى ، أن يعيش فى كهف بعيداً عن أى أحد ، دعانى لأمكث قدر ما أريد ، وإذا فضلت أن أكون وحيداً فهو – و بكل سرور – سيجهز لى مغارة أخرى ليست بعيدة وسيحضر الطعام لى كل يوم ويزورنى من حين لآخر ليتأكد أنى بخير ولا أحتاج شيئاً ، كان عطوفاً ، ولسوء الحظ لم أكن أحتاج العطف ، قلت : أنت لا تعرف المساكن القريبة من البحيرات ؟ أنا لا أحتمل البحر فى اندفاعه وهيجانه ، بمده وجزره واضطرابه العام ، الرياح تتوقف أحياناً ، قدماى ويداى ، أحس كأن النمل يملؤهم ، وهذا يجعلنى مستيقظاً لساعات ، وأخيراً قلت : إذا بقيت هنا فستحدث لى مصيبة وهناك أشياء طيبة كثيرة يمكن أن تغرينى ، قال : +++ربما تغرق ، قلت : نعم أو ربما أقفز من صخرة ، قال : أتصدق أنى لا أستطيع الحياة فى مكان آخر ، كنت تعيساً وأنا أعيش فى كوخى الجبلى ، قلت : كوخك الجبلى ؟ وكرر قصة كوخه الجبلى ، نسيته وكأنى أسمع به لأول مرة ، سألته إذا كان لا يزال يملكه ، قال : إنه لم يره منذ اليوم الذى فر فيه منه ولكنه يعتقد أنه مازال هناك ، خرب بلا شك ، ولكن حينما ألح على أن آخذ المفتاح رفضت قائلاً عندى خطط أخرى ، قال : ستجدنى هنا ذا احتجتنى وأعطانى سكينة
ما يطلق عليه كوخ هو نوع من المأوى الخشبى ، أزيل بابه لإشعال النار أو لغرض آخر ، واختفى الزجاج من النافذة ، وتساقط السقف فى أماكن عدة ، وقُسّم داخله ببقايا حاجز إلى قسمين غير متساويين ، وإذا كان هناك ثمة عفش فى الماضى فقد ذهب ، وعلى أرضه وحوائطه ارتكبت الأعمال المنكرة ، وتناثرت الفضلات الآدمية والحيوانية و القئ على أرضيته ، وعلى قطعة من جلد البقر رُسم قلب يخترقه سهم ، لم يكن هناك شيء يجذب السواح ، لاحظت بقايا زهور متروكة ، جُمعت بجشع ، وحُملت لأميال ثم رُميت لأنها ثقيلة أو ذابلة . هذا هو السكن الذى عرض علىّ مفتاحه
ورغم ذلك فهو سقف يظلنى ، استرحت فوق فراش من نبات السرخس تعبت فى جمعه بيدى ، لم أستطع النهوض ذات يوم ، أنقذتنى بقرة ، نخسها الضباب المثلج فأتت تبحث عن مأوى ، من المحتمل أنها ليست المرة الأولى ، لا يمكنها رؤيتى ، حاولت أن أرضع لبنها بلا نجاح كبير ، ضرعها كان مغطى بالروث ، خلعت قبعتى واستجمعت قواى لأحلبها ، سقط اللبن على الأرض وضاع ، قلت لنفسى لا يهم ، إنه مجاناً ، سحبتنى على الأرض متوقفة بين حين وأخر لترفسنى ، لم أكن أدرى أن بقرنا أيضاً من الممكن أن يكون لا انسانياً ، لا بد أنها حلبت منذ فترة قريبة ، تشبثت بالضرع بيد واحتفظت بالقبعة باليد الأخرى تحته ، لكنها فى النهاية انتصرت ، فقد جرتنى عبر العتبة وخارج الكوخ فوق نباتات السرخس العملاقة ، فاضطررت أن اتركها
وأنا أشرب الحليب لمت نفسى على ما فعلته ، لم يعد بالإمكان الإعتماد على هذه البقرة ، وربما حذّرت أقرانها ، لو سيطرت على نفسى لأمكننى أن أصادقها ، ولجاءت كل يوم مصحوبة ببقرات أخريات ، وربما تعلمت صناعة الزبد وحتى الجبن ، لكنى قلت لنفسى ربما يكون فى الأمر ما هو خير لى
وذات مرة على طريق منحدر رفضت عربات كثيرة أن تقلنى ، لو كنت بملابس أخرى ووجه آخر ربما وافقوا ، لا بد أنى تغيرت منذ غادرت البدروم ، الوجه بشكل خاص وصل إلى مرحلته الحرجة ، الإبتسامة البريئة المتواضعة لم تعد ترتسم على محياى ، ولا تعبير البؤس الواضح الذى يدل على عزيز قوم ذل ، حاولت استعادتهما لكن عبثاً ، قناع من جلد قذر مشعر بثقبين وشق ، لقد مضى زمن الحيلة القديمة ، من فضل سعادتك ، ربنا يرزقك ، اشفق علىّ ، كارثة ، إلى أين سينتهى هذا التراجع مستقبلاً ؟!
استلقيت على جانب الطريق ، أتلوى كلما سمعت صوت عربة ، حتى لا يظنون أنى نائم أو أستريح ، حاولت أن أتأوه طالباً المساعدة ، لكن النغمة التى صدرت عنى كانت كحديث مؤدب ، ساعتى لم تحن بعد ولم أعد أستطيع التأوه ، فى آخر مرة كان علىّ أن أتأوه فيها ، تأوهت جيداً كعهدى دائماً ، لم يرق لى قلب على بعد أميال ، قلت لنفسى ماذا سيحدث لى ؟ مازلت فى حاجة للتعلم ، استلقيت فى عرض الطريق ، فى مكان ضيق ، وبهذا لن تمر عربة دون المرور فوق جسدى ، بعجلة واحدة على الأقل أو عجلتين إذا كان هناك أربعة ، لكن طلع النهار ، لأتلفت وأجدنى فى الضواحى ، ومن هناك إلى عشش قديمة لم تكن بعيدة ، جرياً وراء أمل غبى فى الراحة أو تخفيف الألم ، وهكذا غطيت الجزء الأسفل من وجهى بخرقة سوداء وذهبت لأتسول فى ركن مشمس ، فقد بدا لى أن عينى لم تفقدا حيويتهما بعد ، الفضل فى ذلك ربما يرجع للنظارات السوداء التى أعطاها لى معلمى ، أعطانى كتاب (الآخلاق) لجلنكس أيضاً ، كانت نظارة رجل وكنت طفلاً ، وجدوه ميتاً ، منهاراً فى دورة المياه وملابسه فى فوضى شنيعة ، انسداد فى الأمعاء قضى عليه ، يالها من راحة ، على كتاب (الأخلاق) اسم وارد ، مكتوب على الورقة البيضاء فى أوله ، النظارات كانت له ، قنطرتها ، فى الوقت الذى أتحدث عنه ، كانت من سلك نحاسى من النوع الذى كان يستخدم لتعليق الصور والمرايا الكبيرة ، وشريطان أسودان كذراعين ، لففتهما حول أذنى ثم أسفل ذقنى وربطتهما ، تأثرت العدسات من احتكاكهما ببعضهما بالأشياء الموجودة فى جيبى ، ظننت أن مستر وير قد سلبنى كل ما أملك ، لكنى لم أعد بحاجة إلى هذه النظارة ، استخدمتها فقط لتلطيف آشعة الشمس ، لم يكن من الصواب أن أشير لها ، الخرقة سببت لى متاعب كثيرة ، حصلت عليها من قماش المعطف ، لكنى لا أملك معطفاً الآن ، فهى من السترة إذن ، كانت خرقة رمادية أكثر منها سوداء ، بمربعات ، ولا بد من استخدامها مؤقتاً ، حتى الظهيرة كنت أتجه بوجهى نحو الجنوب ، ثم نحو الغرب حتى المساء ، سبب لى الوعاء متاعب كثيرة ، لم استطع استخدام قبعتى بسبب شكل جمجمتى ، أما مد يدى فذلك أمر مفروغ منه ، لا أفعله ، وهكذا حصلت على علبة صفيح وعلقتها فى أحد أزرار المعطف ، ماذا جرى لى ، فى أحد أزرار السترة ، فى مستوى عظام الحوض ، لم تكن تتدلى بشكل عمودى ولكنها تنحدر باحترام تجاه المارة ، وما عليهم سوى إسقاط قطعهم الصغيرة ، لكن ذلك كان يضطرهم إلى الإقتراب منى معرضين لخطر ملامستى
أخيراً ، حصلت على علبة صفيح أكبر ، نوع من علب الصفيح الكبيرة ، وضعتها قرب قدمى ، لكن من يقدم الصدقة يحجم أحياناً ، إذا كان عليه أن يقذفها ، فهو يرى فى هذه الحركة البغيضة نوع من الإزدراء إلى ذوى الطبائع الحساسة ، ناهيك عن ضرورة التنشين ، فهم على استعداد للعطاء ولكن على ألا تذهب عطيتهم متدحرجة بين أقدام المارة أو تحت العجلات أو يلتقطها من لا يستحقها ، والنتيجة أنهم لا يدفعون . ولكى أكون دقيقاً فهناك من ينحنى ، لكن عموماً أن من يعطى صدقة لا يهتم بالإنحناء ، كل ما يهتمون به ويعجبهم هو أن يلمحوا البائس عن بعد ، يجهزون نقودهم ، يسقطونها مسرعين ، تصل أسماعهم (ليحفظك الله) التى تضيع مع البعد ، أنا شخصياً لم أقل ذلك ، أو ما يشبهه ، فلم أكن عميق الإيمان ، ولكنى كنت أهمهم بفمى
فى النهاية ، حصلت على شيء كاللوح أو الصينية ربطته برقبتى ووسطى ، كان بروزه على ارتفاع مناسب ، ارتفاع الجيب ، وحافته كانت بعيدة عن جسدى ، وهكذا تُمنح النقود بلا مخاطرة ، كنت أزينه أحياناً بالزهور والبتلات والبراعم وذلك العشب الذى يسميه الرجال شيح الربيع ، وباختصار بكل ما يمكن أن أجده ، لا أذهب للبحث عن هذه الأشياء ولكن كل ما يصادفنى منها أو ما شابهها من أجل اللوح ، لابد أنهم ظنوا أنى محب للطبيعة ، فمعظم الوقت هى خليط بين الأبيض والأزرق والرمادى ، وفى المساء كل ألوان المساء ، شعرت أنها تحنو علىّ بثقلها ، فأمسح وجهى بها خدّاً بعد الآخر محركاً رأسى من جانب إلى جانب ، ولأريح عنقى بين حين وحين ، أدع رأسى يسقط على صدرى ، آنذاك أتمكن من رؤية اللوح عن بعد غائماً ، بألوان عدة ، أستند إلى الحائط ولكن بلا استهتار ، وأحمل ثقل جسمى من قدم إلى أخرى ويداى تتشبثان بأطراف سترتى ، إذا تسولت ويداك فى جيوبك فإنك تعطى انطباعاً سيئاً ، يضايق العمال خاصة فى الشتاء ، وعليك أيضاً ألا تلبس قفازات أبداً
ثم هناك أولاد الحوارى ، الذين يستولون هلى كل ما كسبته بحجة أنهم يتصدقون علىّ ، وذلك ليشتروا حلوى
فككت أزرار سروالى بتحفظ لأهرش ، أهرش باتجاه علوى بأربعة أظافر ، أنزع الشعر لأشعر بالراحة ، ذلك يجعل الوقت يمضى ، يطير الوقت حينما أحك جلدى ، فى رأيي أن الهرش الحقيقى أقوى من ممارسة العادة السرية ، يستطيع المرء أن يظل يمارس العادة حتى سن السبعين أو لما بعد ذلك ، ولكنها فى النهاية تصبح مجرد عادة ، ولكن لكى أهرش جلدى بشكل صحيح فإنى أحتاج إلى دستة أيدى . أحك كل أنحاء جسمى ، من العانة حتى السرة ، وتحت الإبطين وفى الشرج ، ثم مساحات الإكزيما والصدفية ، مجرد التفكير فيهم يعزونى الألم الفظيع ، أعظم لذة أحصل عليها حينما أهرش فى الشرج ، وإذا رغبت بعد ذلك فى التبرز فإن الألم يكون شديداً ، ولا أكاد أتبرز ، بين حين وآخر تمر طائرة تبدو لى بليدة ، فى آخر النهار أجد غالباً ساق السروال مبتلة ، إنها الكلاب فأنا شخصياً أتبول قليلاًَ جداً ، وإذا حزقتنى فإن انبثاق قليل من الماء من عضوى كاف لإراحتى ، أثناء الوظيفة لم أكن أتبول حتى هبوط الليل . إنى فاقد للشهية ، اللهم إجعل الرياح خفيفة علىّ ، بعد انتهاء العمل ، أشترى زجاجة لبن أشربها فى المساء حين أعود للمأوى ، ما زلت أفضل أن يشتريها لى صبى ، وكما هى العادة فهم – أصحاب الدكاكين – لا يرغبون فى خدمتى ، لا أعرف السبب ، أعطى الصبى بنساً لقاء تعبه ، ذات يوم شهدت منظراً غريباً ، لم أكن أرى شيئاً كثيراً فى العادة ولا أسمع كثيراً أيضاً ، وأقول بصراحة كأنى غير موجود ، لأعترف أنى ما كنت لأنتبه لشيء ، لابد أنى استعدت وعيي بعض الوقت آنذاك إذ سمعت صوتاً يخترقنى ، لم أتقص السبب وقلت لنفسى لا بد له أن يصمت ، وحيث أنه لم يصمت فلم يبق لى خيار سوى البحث عن السبب ، كان رجل يعظ من فوق عربة خاطباً فى المارة ، ذلك على الأقل ، كان تفسيرى ، كان يجأر عالياً حتى إن رذاذاً من خطابه صك مسمعى ، الإتحاد ، الأخوة ، ماركس ، رأس المال ، زبد ، خبز ، حب . كان كلاماً كاللغة اليونانية بالنسبة لى ، أوقفوا العربة أمامى بالضبط عند الحاجز الحجرى قرب جانب الطريق ، رأيت ظهر الخطيب تماماً ، هذا المنبوذ ، الذى لا يسير على أربع إلا خوفاً من حجزه فى زريبة ، هذا العجوز المقمل المعفن ككومة الروث ، هناك آلاف منه ، أسوأ منه ، عشرة آلاف ، عشرون ألفاً ، وصاح صوت : ثلاثون ألفاً ، وأضاف الخطيب بصوت صاخب : كل يوم تمرون بهم ، تعتبرون أنفسكم قد فزتم حين تطرحون لهم بنساً ، هل سبق أن فكرتم بذلك ، صاح صوت : لا سمح الله ، أضاف الخطيب : بنس ، بنسان ، حسنتكم جريمة ، مقدمة للعبودية ، جريمة منظمة مدعمة ، تمعنوا فى هذه الجثة الحية ، ربما تقولون أنها غلطته ، إسألوه إذا ما كانت غلطته ، صاح صوت : اسأله أنت ، فانحنى تجاهى وطلبنى للإجابة ؛ لقد طورت لوحة التسول ، فهى الآن تتكون من لوحين مربوطين ، أتمكن عند انتهاء العمل من طيهما وحملهما تحت إبطى ، صاح الخطيب : هل سمعتنى يا ابن الرذيلة أيها المصلوب المضطهد ، ابتعدت رغم أن النهار لم ينته ، كان الركن هادئاً ، حيوياً ، وليس مزدحماً بدرجة كبيرة ، مزدهراً ومألوفاً ، لا بد أنه متعصب دينى ، لا يمكننى أن أجد تفسيراً آخر أو ربما مجنون هارب ، له وجه جميل ، احمر قليلاً من جانبه
لا أعمل كل يوم ، وعملياً ليس لى أى نفقات ، حتى إنى بدأت أوفر قليلاً لأيامى الأخيرة جداً . فى الأيام التى لا أعمل فيها ، أقضى وقتى مستلقياً فى السقيفة ، سقيفة تقع فى ملكية خاصة أو ما كان ذات يوم عزبة على ضفة النهر ، مدخل هذه العزبة يقع فى شارع ضيق مظلم ساكن ، محاطة بسور عدا جهة النهر بالطبع والتى تشكل حدودها الشمالية لمسافة ثلاثين ياردة تقريباً ، وراء الماء وبعد نهاية الأرصفة ترتفع الأعين إلى خليط مشوش من المنازل المنخفضة والأرض الخراب ، الأسيجة الخشبية ، المداخن ، أبراج الكنائس ، وأرض كأرض الإستعراض حيث يلعب الجنود الكرة على مدار السنة ، نوافذ الدور الأرضى فقط ، لا ، لا أستطيع ، المزرعة مهجورة ، البوابات مغلقة ، الممرات نمت فيها الأعشاب بكثافة ، نوافذ الدور الأرضى فقط لها مصاريع ، النوافذ الأخرى كانت تضاء فى الليل بين حين وآخر ، بضوء خافت ، على الأقل كان ذلك انطباعى ، ربما كان انعكاساً للضوء
فى اليوم الذى اخترت فيه هذه السقيفة وجدت قارباً مقلوباً ، عدلته ، ثبتته بالحجارة وقطع الخشب ، نزعت مقعد المجداف وهيأت سريرى هناك ، الجرذان تجد صعوبة فى الوصول إلىّ بسبب شكل جسم القارب ، رغم أنهم يتشوقون لذلك ، فكر مثلها ، لحم حى ، برغم كل شيء فما زلت لحماً حياً ، عشت طويلاً وسط الجرذان فى المساكن التى صادفتها ، مشاركاً فى الرعب الذى تثيره فى العامة ، حتى أن هناك نقطة دافئة فى قلبى تجاههم ، يتجهون نحوى بنوع من الثقة ، تبدو على الأقل ، لا تحمل أى كراهية ، يقومون بتنظيف أجسامهم بنفس حركات القطط ، فى المساء تظل ضفادع الطين بلا حراك لساعات ، تقتنص الذباب من الهواء ، تحب أن تربض عند الأطراف المغلقة وبداية الهواء الطلق ، تفضل العتبات ، لكن الآن علىّ مكافحة جراذين الماء خاصة تلك الهزيلة الضارية
وهكذا صنعت نوعاً من الغطاء من ألواح متفرقة ، صادفنى فى حياتى عدد لا يصدق من الألواح ، لم أحتج أبداً للوح ، كانت دائماً توجد وما علىّ سوى الإنحناء والتقاطها ، أحب أن أعمل أشياء غريبة ، ليس عن قصد ، فلا يهمنى ذلك ، غطى القارب تماماً أقصد الغطاء الذى صنعته ، دفعته قليلاً نحو المؤخرة ، أصعد إلى القارب عن طريق المجداف الأمامى ، أزحف إلى مؤخرة القارب ، أرفع قدمى وأدفع الغطاء ثانية نحو المجداف حتى يغطينى تماماً ، ولكن كيف أدفعه ؟ عن طريق عمود خشبى مسمرته بالعرض فى الغطاء لهذا الغرض ، أحب هذه الأشياء الغريبة ، ولكن كان من الأفضل أن أصعد إلى مؤخرة القارب وأشد الغطاء بيدى حتى يغطينى ثم ادفعه إلى الأمام حين أريد الخروج ، وكممسك ليدى دققت رزتين حيث أحتاجهما ، هذه الأشياء الغريبة وشبه النجارة إذا جاز فى قول ذلك ، نفذتها بمواد وجدتهما كيفما اتفق ، وبعثت فىّ سروراً مؤكداً
عرفت أن النهاية ستكون قريبة ، فلعبت الدور ، أنت تعرف الدار ، كيف يمكننى أن أقول ذلك ، لا أعرف ، كل ما يمكننى قوله إنى كنت مستريحاً بدرجة كافية فى هذا القارب ، كان الغطاء محكماً حتى أنى خرمت فيه ثقباً ، ليس من الصواب أن تقفل عينيك ، يجب أن تبقيهما مفتوحتين فى الظلام ، ذلك رأيي ، أنا لا أتكلم عن النوم ولكن عما أظن أنه يطلق عليه اليقظة ، فى حالتى ، أنام قليلأً فى هذه الوقت ، لم أكن نعساناً أو وسناناً ، لا أعرف ، أو خائفاً ، لا أدرى
أستلقى على ظهرى ، لا أرى شيئاً ، عدا ضوء السقيفة الرمادى ، أراه بغير جلاء ، فوق رأسى من خلال شقوق ضيقة ، لا أرى شيئاً على الإطلاق ، لا ، ذلك كثير جداً ، أسمع بخفوت صيحات النوارس باحثة عن فريسة عند مصب المجارى القريبة فى فيض الزبد الأصفر ، إذا خدمتنى ذاكرتى جيداً ، فالقذارة تتدفق فى النهر ، تخوض الطيور فوقها صائحة بجوع وغضب ، أسمع اصطدام الماء فى ضفة النهر والمنحدر ، والصوت الآخر ، صوت الموج المنطلق ، مختلفاً ، أسمعه ، وأنا أيضاً حينما أتحرك أحس أنى فوق موجة أكثر منى فوق قارب ، او هكذا بدا لى ، سكونى كان سكون الدوامات ، ربما بدا ذلك مستحيلاً ، المطر أيضاً أسمعه ، لأنها غالباً تمطر ، تسقط أحياناً قطرة خلال سطح السقيفة وتنفجر فوقى ، كل ذلك يكون عالماً شبه سائل ، ثم هناك أيضاً صوت الريح ، وتلك الأصوات المختلفة للأشياء تهزها ، ولكن إلام يرمى ذلك ؟ عواء ، أنين ، نواح ، تنهد ، كنت أحب أن يكون ضربات مطارق بانج بانج ، تقرع فى الصحراء ، أدع الضراط ينطلق ولكنه بالكاد يخرج طرقعة حقيقية ، ينز بضجة ناعمة ويضيع فى اللا نهائى
لا أعرف كم مكثت هناك ، كنت (مكنكناً) فى صندوقى ، بدا لى أن استقلالى قد ازداد فى السنوات الأخيرة ، فلا أحد يزورنى ، لا أحد يمكنه القدوم والسؤال على حالى وحاجتى ، أزعجنى ذلك قليلاً ، لكنى بخير تماماً ، والخوف من أن تسوء حالتى لا يقلقنى كثيراً ، وبالنسبة لاحتياجاتى فقد تضاءلت كأبعادى ، وأصبحت إذا جاز القول من نوعية مميزة تبعد كل تفكير فى تلقى مساعدة أحد
أتعرف ، لقد ملكت يوماً انساناُ ، منفصلاً عنى ، مهما كانت ضآلته وزيفه ، فإنه كان يمتلك القوة لتحريك قلبى ، أصبحت انطوائياً ، ذلك حتمى ، كان يجعلك تتساءل أحياناً فيما إذا كنت على الكوكب المناسب ، حتى الكلمات تهجرك إن الأمر بهذه الدرجة من السوء ، ربما هى اللحظة التى تتوقف فيها الشرايين على التواصل ، أنت تعرف الأوردة ، حينما تظل ساكناً بين آهتين ، لا بد أنها الأغنية القديمة نفسها كما هى العادة ، ولكن ياللمسيح أنت لا تفكر بهذه الطريقة
تمر أوقات أرغب فيها أن أدفع الغطاء الخشبى وأخرج من القارب ، لكنى لا أستطيع ، كنت متراخياً وضعيفاً ، راضياً تماماً بوضعى ، شعرت بهم يكتمون أنفاسى ، الشوارع الثلجية الصاخبة ، الوجوه المرعبة ، الضوضاء التى تجلد ، تخترق ، تنبش ، وتخدش ، و أظل هكذا منتظراً حتى تأتى الرغبة فى التبرز والتبول فتعيرنى أجنحة ، لا أريد أن أوسخ عشى ، ولكن أحياناً يحدث ذلك ، وحتى غالباً مقوساً ومتصلباً أنزل سروالى وأنحرف قليلاً بجانبى بدرجة تكفى لتحرير الفتحة لأتدبر مملكة صغيرة فى وسط الروث الكونى وأتبرز عليها ، آه ، ذلك هو أنا ، والفضلات هى أنا أيضاً ، أعرف ، أعرف ، لا فرق كبير ، ذلك يكفى ، يكفى ، الأمر الثانى بدأت الرؤى تنتابنى ، وأنا طفل ، شخصى الوهمى ستنتابه الرؤى ، عرفت أنها رؤى لأن الوقت كان ليلاًُ وأنا وحدى فى القارب ، فماذا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك
هكذا كنت فى قاربى أنزلق على الماء ، لم يكن علىّ أن أجدّف ، الجزر يحملنى بعيداً ، وعلى كل حال لم أر مجاديف ، لا بد أنهم أخذوها ، معى لوح ، ربما بقايا مقعد ، المجداف استخدمه حينما أقترب جداً من الضفة أو حينما تندفع دعامة نحوى أو مرساة مركب ، كانت النجوم فى السماء قليلة جداً ،لا أدرى ماذا كان الطقس يفعل ، فلم أكن برداناً أو دافئاً ، وكل شيء بدا هادئاً ، تتراجع الضفتان أكثر وأكثر ، كان ذلك حتمياً ، لم أعد أراهما ، الأضواء خفتت وقلّت ، واتسع النهر ، وعلى الأرض رجال نيام ، يستجمعون القوة لكدح وفرح الغد ، لم يعد القارب ينزلق الآن ، إنه يهتز ويتمايل ، يتلقى ضربات مياه الخليج ، كل شيء بدا هادئاً ، والزبد يغسل سطح القارب
وها هو هواء البحر يطوقنى ، ليس لى مأوى سوى الأرض ، فى مثل هذا الوقت ، رأيت منارات أربع ، بما فيها ضوء سفينة ، أعرف المنارات جيداً ، حتى وأنا طفل عرفتها جيداً ، كنت مع أبى فوق مرتفع ، كان الوقت مساء ، أمسك يدى ، وددت لو ضمنى إليه إيماءة عن حب يحمينى ، ولكنه كان يفكر فى أمور أخرى ، علمنى أيضاً أسماء الجبال ، ولكن ، ولأنتهى من هذه الرؤى ، رأيت أيضاً أضواء عوامات إرشاد السفن ، بدا البحر مملوء بهم ، حمر وخضر ، ولدهشتى صفر أيضاً ، وعلى سفوح الجبال ، التى تتراجع بحجومها الضخمة الآن ، المتماسكة خلف المدينة ، تحولت النيران من اللون الذهبى إلى الأحمر ، ومن الأحمر إلى الذهبى ، عرفتها ، إنها الأشجار الشوكية تحترق ، وكم مرة أشعلت فيها النيران بنفسى وأنا طفل ، وعند العودة إلى البيت بعد ساعات ، وقبل أن أصعد إلى السرير أراقب من شباكى العالى النيران التى أشعلتها ، تلك الليلة كانت إذن ليلة إيقاد النيران البعيدة فى البحر وفى البر وفى السماء
انجرفت بفعل التيارات والمد ، لاحظت أن قبعتى مربوطة بخيط إلى عروة أحد أزرارى كما أفترض ، قمت من مقعدى فى مؤخرة القارب ، سمعت طرقعة عالية ، تلك كانت السلسلة ، أحد طرفيها كان مثبتاً فى المجداف الأمامى ، و الآخر فى وسطى
لا بد أنى فى وقت سابق ، قد خرمت ثقباً فى ألواح الأرضية ، لأنى جثوت على ركبتى أخلع السدادة بسكين ، كان الثقب صغيراً ، ارتفع الماء ببطء ، سيحتاج إلى نصف ساعة كاملة ويغرق كل شيء إلا إذا حال حادث دون ذلك
عدت إلى أحضان مؤخرة القارب ، ساقاى ممدتان ، ظهرى مركون إلى حشية محشوة بالقش استخدمتها كمخدة ، وتواريت خلف هدوئى ، أطبقت علىّ السماء والجبال والبحر والجزر وسحقتنى كانقباض قلب قوى ثم تبعثرت إلى أقصى حدود الفضاء
أضحت الذاكرة باهتة وباردة من القصة التى كدت أسردها ، قصة على غرار حياتى ، أعنى عدم الشجاعة فى إنهائها ، وعدم القدرة على الإستمرار














