
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزكاة لغة.. هي التطهير
أي ان تقوم عن طريقها بتطهير مكاسبك وممتلكاتك من اية اموال بها شبهة وقد تكون غير شرعية.
اما عندما يكون كل ما تمكله ـ دون استثناء مليم واحد ـ هو نتيجة لعمليات سرقة لحقوق الآخرين، فكيف يمكنك تزكيته عند ذلك..!؟
الأمر مثير للحيرة بالطبع..
لأنك عندما تتبرع بمبلغ وقدره خمسة يورو أو ما يعادلها بعملة البلدان كافة، الكافر منها ومن يفترض إيمانه، أو بما اعلنت عنه هيئة الافتاء، بعد أن إنتهت من إرضاع الكبار ودوران الأرض وبول البعير وغير ذلك من قضايا الساعة بالغة التأثير في السياسة الدولية، فإنك في الواقع لم تطهر شيئا بقدر ما زدته قذارة.
لأنني أعتقد ـ والعلم لله بالطبع ـ أن التطهير في هذه الحالة يتضمن إرجاع (كل ما تملكه)، أو ما تعتقد انك تملكه، بكامله لإصحابة الأصليين، ثم تعتذر لهم، وتعوضهم عن حرمانهم من حقوقهم المشروعة التي سرقتها منهم طوال المدة التي استمتعت فيها بما لا حق لك فيه، ثم تدخل متطوعا إلى السجن تكفيرا عن كل ذلك. إلا إذا تنازل لك المعنيون بالأمر عن دية كل يوم وكل عام قمت بقتله واغتياله من حياتهم وحياة اطفالهم التي ضاعت لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على حقوقهم التي سرقتها منهم دون ودجه حق.
الدراسة التي حرموا منها.
وما عانوه من جوع وعوز لا مبرر له، سوى أن اطفالك يأتون إلى المدرسة (الخاصة) متخمين، أو أنهم درسوا في الخارج على حساب من تمت سرقتهم. وما قمت انت بشرائه من شهادات لأبنائك وبناتك بأموال المسروقين، لأنهم لم يكونوا قادرين على التحصيل.
أما القادر على التحصيل فنصيبه من عالم الله هذا مجرد برويطة (عربة يد لنقل الخضار في السوق)، لأنه لم يحصل على نصيبه المشروع في هذا العالم، بسبب وقوف من لا شرعية له أمام حقه كجدار اسرائيل.

فالتاريخ في ـ نهاية المطاف ـ هو نسيج مثل الفكر تماما. بحيث أننا نجد انفسنا مضطرين إلى تقسيمه إلى مساحات أو فترات كما يقول بنديتو كروتشه. وكل فترة هي بحد ذاتها إنقاذ لمجموعة من الأعمال، ومنعها من الوقوع في بئر النسيان. وبالتالي إعطاء بعد زمني إضافي لحياة "بعض البشر"، يكون أكبر من حضورهم الزمني الواقعي.
فما يتم نسيانه هو في النهاية لا شيء، ويقترب من أن يكون مجرد أكذوبة. أما ما يتم الإحتفاظ به حاضرا في ذاكرة البشر، فهو الحقيقة بعينها، حتى لو كان غير ذلك. الأمر الذي يعني في نهاية التحليل تاريخ الاقوياء والمتميزين، اي تاريخ السلطة. وهو التاريخ الذي يتم التدخل فيه وتغيييره ـ حسب اورويل ـ دون أن تتغير درجة حقيقيته.
وكلمة حقيقة باليونانية هي آليثيا Alithia، وإذا عرفنا أن الحرف A في بداية الكلمة هو أداة نفي، فإن (الحقيقة) تعني في الواقع عدم النسيان، وهذا هو بالضبط ما عناه هيرودوت، لأن كلمة نسيان هي (ليثي).
وباعتبار أننا بعيدون جدا عن عصر هوميروس، حيث كان يتمتع الأبطال بدعم الآلهة. بل اننا نعيش في عصر تكتسب فيه الحقيقة أو الـ A-Lithia معنى إنسانيا محضا، في التفريق بين الأبطال وغيرهم من الناس، وبين القليلين (الصفوة) وبين الكثيرين، فإن توكيديديس قد شكك في مرحلة مبكرة جدا في صفاء نية هؤلاء (القليلين)، بل وفي إمكانية ائتمانهم على التاريخ، ووضع المعيار في التفريق بين الأخلاقي والمصلحي. وقد أثر هذان الفهمان الهيرودوتي والتوكيديدي على كل كتاب التأريخ فيما بعد. فالتاريخ في ـ نهاية المطاف ـ هو مجموعة الأعمال التي تؤثر في حياة الناس، أي أولئك الذين يتبعون "الصفوة" مسهلين عملها أحيانا، وأحيانا أخرى العكس، بحيث أن ما يتم إنقاذه من بين أسنان الـ (ليثي) أو النسيان، ثم نطلق عليه فيما بعد إسم "الأعمال التاريخية"، هو عادة ما يسمى بإسم فرد أو مجموعة من أفراد القلة، والذين لا يترددون في إرجاع ما يتعرضون إليه من إنكسارات، إلى ذلك الكل الصامت: المجموع الذي لا تاريخ له.
ولكن هذا الكل" قد بدأ يفرض وجوده على نسخة جديدة ومعدلة تماما من التاريخ، بعد أن ملّ الجمود المتواصل، وذلك منذ بدء الثورة الصناعية، من خلال عملية إنتاجه لما دعاه ماركس بفائض القيمة في "رأس المال". وهو عمل تاريخي كان له دور ضروري وحاسم وجدلي، تمثل بداية في دخول الجموع الصامتة إلى ساحة التاريخ، وأثر بدوره في إعادة إنتاج (بل ومونتاج) هذا التأريخ نفسه، عن طريق إنتزاع ال
ـ 301
الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها الحصول على احاسيس جديدة، هو أن تصنع لنفسك روحا جديدة. أما محاولاتك الهادفة إلى أن تشعر بأشياء أخرى، دون أن تبدأ في الشعور بطريقة مختلفة، وأن تشعر بطريقة أخرى دون أن تغير روحك. لأن الأشياء هي مثلما نشعر بها نحن . ترى كم من الوقت كنت تعرف هذا دون أن تعرفه ؟. كما أن الطريقة الوحيدة لأن تكون لديك أشياء جديدة، وأن تشعر بوجود اشياء جديدة، تتمثل في ان تشعر على نحو جديد مختلف.
غيّر روحك.
كيف..؟